
كتب سعد شعنين:
فالمفاوضات الجارية برعاية أميركية لا تبدو منفصلة عن مشروع متكامل يربط بين التهدئة العسكرية وبين إطلاق مسار تفاوضي تدريجي يهدف إلى إنتاج ترتيبات أكثر ثباتاً واستدامة.
الولايات المتحدة تتعامل مع وقف النار بوصفه المدخل الإلزامي لإطلاق هذا المسار، لا نهايته. فالمطلوب أميركياً ليس مجرد وقف للعمليات العسكرية، بل تحويل لحظة التهدئة إلى فرصة سياسية تُستثمر في بناء تفاهمات أمنية طويلة الأمد، تشمل الحدود والضمانات وآليات منع التصعيد، بما يمنع العودة إلى نمط المواجهات المتقطعة الذي حكم الجنوب لسنوات.
ومن هنا، فإن جوهر المقاربة الأميركية يقوم على قاعدة واضحة: لا عودة إلى” الستاتيكو “السابق. فمرحلة ما قبل الحرب انتهت، والواقع الذي كان قائماً على هدنة هشة وتوازن ردع قابل للانفجار في أي لحظة لم يعد مقبولاً دولياً. ثمة قناعة متزايدة لدى الرعاة الدوليين بأن أي وقف نار لا يُترجم إلى ترتيبات سياسية وأمنية جديدة سيكون مجرد تأجيل مؤقت لجولة الحرب التالية.
في هذا الإطار، تبدو المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية جزءاً من عملية أوسع لإدارة التحول في الجنوب اللبناني، عبر نقل العلاقة من مرحلة “إدارة النزاع” إلى مرحلة “تنظيم النزاع” ضمن قواعد أكثر وضوحاً ورقابة. وهذا لا يعني بالضرورة سلاماً كاملاً أو تطبيعاً فورياً، لكنه يعني تأسيس بنية تفاهمات جديدة تضبط الحدود وتخفف احتمالات الانزلاق نحو الحرب.
لبنانياً، يشكل هذا المسار فرصة للدولة لاستعادة دورها المركزي في إدارة الملفات السيادية، وتثبيت أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى ضمن المؤسسات الدستورية وحدها. كما يمنح الدولة إمكانية إعادة تكريس نفسها محاوراً وحيداً باسم لبنان في القضايا الأمنية الكبرى، بعد سنوات من تداخل القرار الرسمي مع حسابات قوى الأمر الواقع.
أما إسرائيل، فتنظر إلى هذا المسار كفرصة لترجمة الضغط العسكري إلى مكاسب سياسية وأمنية دائمة، عبر فرض ترتيبات جديدة تحقق لها مستوى أعلى من الضمانات على الجبهة الشمالية، وتحدّ من التهديدات المستقبلية.
لكن رغم هذا الدفع الدولي، تبقى الطريق نحو التسوية مليئة بالتحديات. فنجاح الخطة الأميركية مرتبط بمدى استعداد الأطراف المحلية والإقليمية لتقبّل التحولات التي ستنتج عنها، وبقدرة الدولة اللبنانية على إدارة التوازنات الداخلية الدقيقة التي يفرضها أي مسار تفاوضي بهذا الحجم.
فإن ما يجري اليوم يتجاوز مجرد البحث عن وقف للنار. نحن أمام محاولة أميركية لرسم خريطة طريق جديدة للجنوب اللبناني، يكون وقف إطلاق النار فيها مجرد الخطوة الأولى في مسار تفاوضي أشمل. وإذا ما كُتب لهذا المسار أن يتقدم، فإن لبنان والمنطقة سيدخلان مرحلة مختلفة عنوانها الأبرز: انتهاء الستاتيكو القديم، وولادة معادلة جديدة على الحدود.



