

تحمل زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين، ولقاؤه مع الرئيس الصيني شي جينبنغ، أبعاداً تتجاوز إطار العلاقات الثنائية التقليدية، إذ تبدو أقرب إلى محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك بين القوتين الأكبر عالمياً، لا إلى إنهاء الصراع بينهما. فالجانبان يدركان أن الانتقال إلى مواجهة مفتوحة، اقتصادياً أو عسكرياً، بات يحمل كلفة هائلة على الاقتصاد العالمي وعلى استقرار النظام الدولي.
في جوهر الزيارة يبرز هدف أساسيّ يتمثل بـ “إدارة التنافس” لا بتسويته. فواشنطن وبكين تسعيان إلى وضع خطوط حمراء تمنع الانفجار، وتنظيم المنافسة، والحؤول دون الانزلاق إلى حرب باردة شاملة. ويشبه ذلك، إلى حد ما، مرحلة “إدارة النزاع” بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، لكن ضمن اقتصاد عالمي مترابط بصورة غير مسبوقة.
انهيار الاقتصاد العالمي؟
تأتي الزيارة كذلك في ظل تداعيات الحرب مع إيران وما رافقها من تهديدات لمضيق هرمز وباب المندب، ما أعاد كشف هشاشة الاقتصاد العالمي واعتماده على أمن الممرات البحرية. وتبرز هنا أهمية الصين باعتبارها أكبر مستورد للطاقة الخليجية، فيما تدرك الولايات المتحدة أن أيّ انهيار اقتصاديّ صينيّ سينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي. لذلك، تتضمن المباحثات أبعاداً مرتبطة بضمان تدفق الطاقة، وحماية خطوط الملاحة، ومنع تحول “حرب الممرات” إلى أزمة اقتصادية طويلة الأمد.
الشقّ الأكثر حساسية في الزيارة يتمثل بملف التكنولوجيا المتقدمة. فوجود شخصيات مثل إيلون ماسك وتيم كوك، إلى جانب رؤساء شركات مالية وتكنولوجية كبرى، يشير إلى أن المعركة الحقيقية تدور حول الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والمعادن النادرة. الولايات المتحدة تريد إبطاء الصعود التكنولوجي الصيني في المجالات العسكرية الحساسة، ولكن من دون الوصول إلى “فك ارتباط اقتصادي كامل” يضر بالشركات الأميركية نفسها. أما بكين، فتسعى إلى تخفيف القيود المفروضة على الرقائق الإلكترونية، وجذب الاستثمارات، والحفاظ على الوصول إلى الأسواق الغربية.
بعد جيواستراتيجي
في الوقت نفسه، تدرك واشنطن أن الضغط المفرط على الصين قد يدفعها أكثر نحو روسيا وايران بما يؤدي إلى نشوء محور أوراسي أكثر صلابة في مواجهة الغرب. من هنا، تحمل الزيارة أيضاً بعداً جيواستراتيجياً يهدف إلى إبقاء الصين داخل النظام الاقتصادي العالمي، ومنع تحولها إلى قائد لمحور مضاد بالكامل للولايات المتحدة.
ملف تايوان يبقى حاضراً بقوة، ولو من دون إعلان مباشر. فواشنطن تحاول ردع أي تحرك عسكري صيني مع الإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة، بينما تسعى بكين إلى انتزاع اعتراف أميركي ضمني بحدود التصعيد وتقليص الدعم العسكري الأميركي لتايوان. بالتالي، تبدو الزيارة جزءاً من عملية رسم “قواعد اشتباك” جديدة في منطقة المحيط الهادئ.
ومن الزاوية الاقتصادية، قد تؤسس هذه الزيارة لمرحلة جديدة من العولمة تختلف عن نموذج التسعينيات. فالعالم يتجه نحو عولمة أقلّ انفتاحاً، وأكثر تسييساً وارتباطاً بالأمن القومي، حيث تتحول التكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد إلى أدوات نفوذ استراتيجي، لا مجرد أدوات تجارة. بمعنى آخر، قد ينتقل العالم من “العولمة الاقتصادية المفتوحة” إلى “العولمة الانتقائية”.
الشرق الأوسط حاضر
أما الشرق الأوسط، فهو حاضر بقوة في خلفية هذه التحولات. فالخليج بات محوراً أساسياً لأمن الطاقة العالمي، فيما أصبحت الصين شريكاً اقتصادياً رئيسياً لدوله، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى منع بكين من التحول إلى ضامن أمني بديل في المنطقة. لذلك، قد تفضي الزيارة إلى تفاهمات غير مباشرة حول أمن الطاقة وتقاسم النفوذ الاقتصادي، إضافة إلى محاولة منع انفجار إقليمي جديد يهدد الاقتصاد العالمي.
في المحصلة، تعكس زيارة ترامب إلى الصين محاولة لبناء “توازن تنافسي مضبوط” بين قوتين تدركان أن كلفة الانفجار الشامل أصبحت أكبر من قدرة العالم على تحمّلها. ويبقى السؤال المهم بالنسبة إلى الشرق الأوسط : ملف إيران سيكون على الطاولة بين الطرفين، فهل تنتظر الصين من ترامب موقفاً واضحاً من استقلال تايوان، مقابل قيامها بممارسة الضغوط على طهران لفتح مضيق هرمز وإعادته إلى ما كان عليه قبل الحرب؟




