سلايداتمقالات

من إدارة الصراع إلى بناء الدولة: لبنان أمام لحظة الحسم

 

كتب د. وسام صافي في الانباء:

تكشف مجمل المعطيات السياسية والعسكرية والدبلوماسية أن لبنان دخل مرحلة مختلفة جذرياً عن كل المراحل التي أعقبت عام ٢٠٠٦. فالمسألة لم تعد مرتبطة بجولة تصعيد عابرة أو بوقف إطلاق نار مؤقت، بل أصبحت تتعلق بإعادة رسم قواعد اللعبة الأمنية والسياسية في الجنوب وفي لبنان ككل.

لقد أظهرت التطورات الأخيرة أن المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، بات يربط بصورة متزايدة بين أي استقرار طويل الأمد وبين قدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها الفعلية على كامل أراضيها. وفي المقابل، لم تعد إسرائيل تخفي سعيها إلى فرض ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب، سواء عبر الضغط العسكري المباشر أو عبر ربط أي انسحاب أو تخفيف لوجودها الميداني بخطوات لبنانية ملموسة تتعلق بحصرية السلاح.

وفي الوقت نفسه، أثبتت الأحداث أن القوة العسكرية وحدها غير قادرة على إنتاج حلول نهائية. فإسرائيل، رغم تفوقها العسكري الهائل، لم تتمكن عبر عقود من إنهاء مصادر التهديد التي تواجهها بالقوة وحدها، كما أن حزب الله، رغم امتلاكه قدرات عسكرية كبيرة وقدرته على الصمود والتأثير، لم يستطع تحويل هذه القدرات إلى استقرار سياسي دائم أو إلى صيغة وطنية تحظى بإجماع اللبنانيين.

ومن هنا تبدو المرحلة المقبلة محكومة بمعادلة جديدة عنوانها الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق بناء الدولة. فلبنان لم يعد يحتمل استمرار الازدواجية بين سلطة الدولة وسلطة الأمر الواقع، كما أن اللبنانيين الذين دفعوا أثماناً باهظة من أرواحهم واقتصادهم واستقرارهم باتوا أكثر حاجة إلى دولة قادرة على حماية حدودها ومواطنيها واتخاذ القرار باسم الجميع.

إن وقف إطلاق النار، إذا تم تثبيته بصورة مستدامة، يجب ألا يُنظر إليه على أنه نهاية الأزمة، بل باعتباره فرصة نادرة لمعالجة جذورها. وفي مقدمة هذه الجذور مسألة حصرية السلاح، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وإطلاق مسار إصلاحي يعيد الاعتبار لمؤسسات الجمهورية.

كما أن من مصلحة لبنان توسيع شبكة الرعاية السياسية والدبلوماسية لأي تسوية مقبلة، بحيث لا تبقى محصورة بوسيط واحد أو بدولة واحدة، بل تستند إلى مظلة عربية ودولية أوسع تشمل الدول العربية المؤثرة وفرنسا وسائر الأطراف القادرة على توفير الضمانات السياسية والاقتصادية والأمنية اللازمة لإنجاح أي اتفاق مستقبلي.

لقد أظهرت الأشهر الماضية أن لبنان لم يعد يملك ترف تأجيل الاستحقاقات الكبرى أو الاكتفاء بإدارة الأزمات وانتظار التسويات الخارجية. فكل جولة تصعيد جديدة تؤكد أن كلفة استمرار الوضع القائم أصبحت أعلى بكثير من كلفة معالجته، وأن الرهان على موازين القوى المتحركة في الإقليم لا يمكن أن يكون بديلاً عن بناء مؤسسات وطنية قوية وفاعلة. كما أن أي دعم دولي أو عربي للبنان في المرحلة المقبلة سيبقى مرتبطاً بمدى جدية الدولة في استعادة وظائفها السيادية وقدرتها على فرض القانون على الجميع من دون استثناء.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم لا يكمن فقط في منع الحرب المقبلة، بل في منع تكرار الأسباب التي قادت إلى الحروب السابقة. فالأمن المستدام لا يصنعه السلاح وحده، ولا توفره التفاهمات الخارجية وحدها، بل تؤسسه دولة قوية وعادلة وقادرة، تحتكر قرار الحرب والسلم، وتبسط سيادتها على كامل أراضيها، وتحظى بثقة مواطنيها ودعم محيطها العربي والمجتمع الدولي. عندها فقط يمكن للبنان أن ينتقل من مرحلة إدارة الأزمات المتلاحقة إلى مرحلة الاستقرار الدائم وبناء المستقبل.

https://anbaaonline.com/news/329776

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى