سلايداتمقالات

1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

كتب ايمن جزيني في اساس ميديا:
في حزيران عام 1982 سأل رئيس الوزراء الإسرائيليّ مناحيم بيغن أحد الجنود الإسرائيليّين في قلعة الشقيف، أمام عدسات التلفاز: “هل كانت لديهم بنادق؟”، فأجاب الجنديّ: “كثير من البنادق”. ثمّ سأله: “هل استسلم أحد؟”، فردّ الجنديّ بغضب وهو يكاد يبكي: “لم يستسلم أحد منهم”، وكرّرها: “لم يستسلم أحد.”

نظر بيغن إلى الأرض فوجد الرصاص يغطّيها، ثمّ نظر إلى وزير الدفاع آرييل شارون الذي سأله: “لماذا جئت إلى هنا… القتال ما يزال قريباً”. غادر بيغن ولم يعد بعدها إلى لبنان.

 

يقول أحد الجنود إنّه بعد مغادرة بيغن وشارون بدقائق أطلق أحد الفدائيّين الجرحى من بين الأنقاض بضع رصاصات قبل أن يلفظ أنفاسه، ويعقّب قائلاً: “تخيّلوا لو حدث ذلك قبل دقائق؟”.

بعد 26 عاماً على انسحابه منها عام 2000، عاد الجيش الإسرائيليّ يوم الأحد 31 أيّار 2026 ليرفع العلم الإسرائيليّ وعلم لواء غولاني جنباً إلى جنب على أسوار قلعة الشقيف، معلناً بذلك سيطرته عليها مع ما لذلك من تأثير عسكريّ ومعنويّ أسبابه جغرافيّة وتاريخيّة.

في المقابل، أعلن “الحزب” أنّ القلعة موقع أثريّ خاضع لسلطة الدولة اللبنانيّة ويتبع لوزارة الثقافة، وكانت خاليةً من أيّ وجود عسكري له، وفي بيان لاحق أفاد أنّ القوّات الإسرائيليّة لا تزال في محيط القلعة وتتعرّض للاستهداف من مقاتليه متكبّدةً خسائر مؤكّدة في الأرواح والآليّات.

بين الرواية الإسرائيليّة ورواية “الحزب” تبرز أسئلة كثيرة في مقدَّمها: ما أهمّيّة هذه القلعة؟ ولماذا يسعى الجيش الإسرائيليّ إلى السيطرة عليها وترويج ذلك على أنّه إنجاز عسكريّ استثنائيّ؟ ثمّ ماذا بعد؟ وإلى أين من هنا؟

الرواية الإسرائيليّة تفيد بأنّ المعركة كانت غير متكافئة، حيث لم يزد عدد المقاتلين عن 21 لبنانياً وفلسطينياً في القلعة انقسموا إلى 3 فرق رئيسة

60 ساعة من القتال

وفق الرواية الإسرائيليّة كما صوّرها فيلم “الجرح الأخضر المفتوح”، وهو وثائقيّ من إنتاج القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيليّ عُرض سنة 2013، شاركت في الهجوم قوّة تُقدَّر بـ1,200 جنديّ تقريباً، مكوّنة من قوّات من لواء غولاني، ووحدات من الهندسة والدروع، وكتيبة المظليّين التي شنّت أوّل موجة للهجوم وتعرّضت لنيران كثيفة قبل وصولها إلى القلعة التي لم يرتفع فوقها راية بيضاء، الأمر الذي أدّى إلى إصابة قائدها موشيه كابلينسكي بجروح خطرة، وتكبيدها خسائر كبيرةً تسبّبت في وقف الهجوم في انتظار الدفع بقوّات من لواء غولاني إلى أرض المعركة.

انقسمت قوّة غولاني، حسب دراسة بعنوان “معركة قلعة الشقيف 1982… روايتان” نشرتها مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة، إلى قسمين: الأوّل التفّ حول القلعة لتطهير المواقع القريبة منها في أرنون وكفرتبنيت، واشتبك مع مواقع للقوّات المشتركة، ووقع جزء منه في حقل للألغام، والقسم الثاني اندفع صعوداً على طريق أرنون إلى القلعة، حيث واجه مقاومةً عنيفةً وقصفاً منسّقاً، لكنّ القلعة سقطت في النهاية.

غير أنّ الرواية الإسرائيليّة تفيد بأنّ المعركة كانت غير متكافئة، حيث لم يزد عدد المقاتلين عن 21 لبنانياً وفلسطينياً في القلعة انقسموا إلى 3 فرق رئيسة، وكانوا من منتسبي الكتيبة الطلابية وبعض الأحزاب اليسارية لا سيما من الحزب الشيوعي اللبناني. وعلى الرغم من ذلك استغرق الهجوم على القلعة 60 ساعةً كان القتال فيها من خندق إلى خندق، وفي داخل الخندق الواحد، ووصل في آخر مراحله إلى حدّ استخدام السلاح الأبيض، وحتّى التشابك بالأيدي.

يتحدّث جنود إسرائيليّون عن 12 ساعةً أخرى بعد الساعات الخمسين الأولى قاتل فيها فدائيّان حتّى استشهادهما صبيحة الإثنين 7 حزيران 1982، بعدما قتلا 7 جنود وأصابا 17 جنديّاً بجروح.

تفيد الرواية الإسرائيليّة بأنّ طائرةً مروحيّة هبطت ظهر الإثنين 7 حزيران 1982 في القلعة وكانت تقلّ رئيس الأركان رافائيل إيتان ووزير الدفاع أرييل شارون ومعه جيش من المصوّرين، ولم يكونا على علم بعدد القتلى الإسرائيليّين الذين سقطوا في المعركة، فسارع شارون إلى إعلان أنّ المعركة لم تسفر عن وقوع إصابات في الجانب الإسرائيليّ، فردّ عليه ضابط برتبة ملازم ثانٍ: “ماذا جرى لكم؟ هنا حيث تقف قُتل ستّة من رفاقي”.

ثمّ وصل رئيس الحكومة مناحيم بيغن. يوضح الفيلم الوثائقيّ الإسرائيليّ أنّه لم يكن يعرف حقيقة ما يجري، وأنّه خاطب شارون قائلاً: “إنّ هواء التلال منعش… هل جرت معركة هنا؟”، فردّ شارون وهو بحالة صدمة: “جنودنا أعمارهم صغيرة… لقد حاربوا هنا”، مُخفياً عدد القتلى عنه.

عملياً، بدأت معركة الشقيف بقصف تمهيديّ إسرائيليّ جويّ ومدفعيّ وصاروخيّ متواصل منذ صباح 4 حزيران 1982 إلى درجة أنّ المقاتلين لم يتمكّنوا من الذهاب إلى مستودع التموين بعدما غطّت القنابل الممرّات المؤدّية إليه، ذلك أنّ القنابل العنقوديّة تصبح كالألغام وتنفجر عند ملامستها أو التعثّر بها، وقد تسبّبت بإصابة مقاتلَين بجروح خفيفة خلال محاولتهما تفجير بعض تلك القنابل.

تفيد الرواية الفلسطينيّة بأنّ القلعة سقطت بعد استخدام العدوّ الغازات السامّة. بدأت الطائرات الإسرائيليّة ظهر 6 حزيران بإسقاط مظلّات فوق القلعة، فظنّ المقاتلون أنّه إنزال مظلّيّ، ووجّهوا نيرانهم إليها، وبعد دقائق تبيّن أنّها قنابل تنفجر عند ملامستها الأرض وتخرج منها غازات خضراء اللون على الأرجح أنّها تؤثّر في الأعصاب.

معركة عام 1982 شكّلت ملحمةً بطوليّةً لا تزال تحفر في وجدان الإسرائيليّين حتّى اليوم، ولذا تروّج الحكومة الإسرائيليّة لوصولها إلى القلعة مُجدداً على أنّه إنجاز تاريخيّ

“بوفور” أو شقيف أرنون

يقال لها قلعة “بوفور” ومعناها الحصن الجميل، ويطلَق عليها أيضاً قلعة شقيف أرنون، نسبةً إلى بلدة أرنون التي تبعد عنها كيلومتراً واحداً، والشقيف في اللغة العربيّة “الصّخر العظيم المنحدر من الجبل”، وهي اسم على مسمّى. قلعة حصينة تبعد نحو 4-5 كيلومترات عن الحدود اللبنانيّة مع فلسطين المحتلّة، وتقع على منحدر صخريّ شاهق يرتفع نحو 700 متر عن سطح البحر، وتشرف على مجرى نهر الليطاني وعلى سهل مرجعيون ومستوطنات شمال إسرائيل وهضبة الجولان.

تُعدّ القلعة نقطةً استراتيجيّةً مشرفةً على محيطها تمنح المسيطر عليها أفضليّةً عسكريّةً لأنّها نقطة مراقبة وتحكّم بالغة الأهمّيّة، وتعطيه سيطرةً بالنار على ما يحيط بها، وخاصّةً مدينة النبطيّة وجوارها.

هذا جغرافيّاً، وأمّا تاريخيّاً فقد بناها الصليبيّون في عهد الملك فولك ملك القدس، بعد سيطرتهم على موقعها عام 1139، لكنّ فيها تحصينات ترجع إلى عصور سابقة.

سيطر عليها صلاح الدين الأيّوبي عام 1190، ثمّ الظاهر بيبرس عام 1268، ثمّ العثمانيّون بعدما هزموا المماليك واتّخذوها حصناً دفاعيّاً عن وجودهم في المنطقة.

بين الأمس واليوم

لا شكّ أنّ معركة عام 1982 شكّلت ملحمةً بطوليّةً لا تزال تحفر في وجدان الإسرائيليّين حتّى اليوم، ولذا تروّج الحكومة الإسرائيليّة لوصولها إلى القلعة مُجدداً على أنّه إنجاز تاريخيّ.

يبقى السؤال قائماً بعيداً عن التنظيرات الأخلاقيّة والبطولات التي لا بدّ من الانحناء أمام أصحابها: لماذا يحدث هذا كلّه؟ وما الذي نريده اليوم: القلعة أم تسجيل ملاحم للتاريخ لا تبقي ولا تذر في أيّامنا الراهنة؟ وما معنى أن تخسر قلعةً تاريخيّةً وموقعاً أثريّاً وعسكريّاً كهذا وأن تسيل دماء كثيرة ويعمّ الدمار لقاء رواية تتناقلها الأجيال عن بطولة هنا أو ملحمة هناك؟ ألم نشبع من الأساطير؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى