
في أعقاب العدوان الأميركي الذي استهدف مواقع عدة داخل إيران أمس، وما تبعه من تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب حول وقف إطلاق النار، تتجه الأنظار إلى مسار المواجهة بين طهران وواشنطن، وما إذا كانت التطورات الأخيرة ستقود إلى تصعيد أوسع أو أنها تندرج في إطار الضغط المتبادل قبل استئناف المسار التفاوضي.
وفي هذا السياق، رأى المحلل والكاتب السياسي توفيق شومان، في حديث إلى «لبنان ديبايت»، أن ما يحصل اليوم من ضربات متبادلة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، إلى جانب التصريحات السياسية الصادرة عن الطرفين، يشكل نوعًا من “التفاوض بالنار” قبل انعقاد الجولة المقبلة، بحيث يمارس كل طرف ما يعرف بـ”أدوات الضغط الغليظة”، الأمر الذي يؤكد أن المسار التفاوضي سيكون طويلًا ومعقدًا.
وأشار شومان إلى أن مهلة الستين يومًا التي حددها الطرفان في السابع عشر من الشهر الماضي عبر توقيع مذكرة التفاهم، لا تعني بالضرورة أنها مهلة نهائية غير قابلة للتمديد، موضحًا أن “المسار التفاوضي لا يختصر نفسه ضمن إطار الستين يومًا، وقد يصار إلى تمديد هذه المهلة إلى فترة جديدة إذا لم يتم التوصل إلى تفاهمات نهائية”.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة الأميركية، وبحسب البنود الواردة في مذكرة التفاهم، أمامها مجموعة من الالتزامات والتعهدات، وفي مقدمها وقف إطلاق النار في لبنان، موضحًا أن “البند الأول من المذكرة يتحدث عن وقف إطلاق النار، فيما يشير البند الثالث عشر إلى الالتزام بتطبيق البنود الأول والرابع والخامس والعاشر والحادي عشر”.
وأضاف: “إن حصر الحديث ببند واحد فقط يعني أن المفاوضات لن تستمر إذا لم تتوقف الحرب على لبنان، وبالتالي طالما أن الحرب لم تتوقف على الجبهة اللبنانية، فإن المسار التفاوضي يبقى معطلًا”.
وعن الضربة التي استهدفت مواقع داخل إيران وما إذا كانت ستؤدي إلى توسع الحرب، قال شومان: “إن هذه الضربة لا تعني بالضرورة أن نشهد توسعًا للحرب أو أيامًا أو أسابيع من المواجهة المفتوحة، فهذا الأمر غير وارد في المرحلة الحالية، لكن استمرار الضربات بين فترة وأخرى هو أمر متوقع، كما حصل خلال الليالي الماضية وكما حصل قبل نحو عشرة أيام”.
وأضاف: “خلال مسيرة الستين يومًا قد نشهد ضربات مماثلة، وهذا يعني أن الأمور لم تنضج بعد، وأكثر من ذلك يؤكد أن لكل طرف حساباته الخاصة”.
وأوضح شومان أن “إيران تعتبر أن على الولايات المتحدة الأميركية أن تفي بتعهداتها، خصوصًا ما يتعلق بوقف إطلاق النار في لبنان، والإفراج عن الأموال المحتجزة، وما يرتبط بالصادرات النفطية”، في حين أن “الولايات المتحدة، وبقدر ما تستطيع تأخير تنفيذ هذه الالتزامات، فإنها تعتبر ذلك وسيلة ضغط على إيران”.
وأضاف: “نحن أمام طرف يرى ضرورة الإيفاء بالتعهدات بسرعة، وطرف آخر يحاول استخدام عامل الوقت كورقة ضغط، وبالتالي نحن أمام مسار مليء بالألغام، وقد نشهد من حين إلى آخر مواجهات عسكرية محدودة”.
وأشار إلى أن “داخل الولايات المتحدة الأميركية توجد أصوات تحيط بالرئيس الأميركي وتحاول إقناعه بعدم الإيفاء ببعض التزاماته، ومن بين هؤلاء وزير الخارجية ووزير الدفاع، في مقابل تيار آخر يمثله نائب الرئيس الذي رعى الاتفاق ومذكرة التفاهم، ولذلك يحاول ترامب الموازنة بين الطرفين”.
وأكد شومان أنه “لا توجد مؤشرات على العودة إلى الحرب بالشكل الذي شهدناه في آذار الماضي، بل نحن أمام مسار تفاوضي متأرجح ينطوي على الكثير من المخاطر وعوامل الصعود والهبوط، وما حصل بالأمس هو أحد أشكال هذا المسار”.
وذكّر بأن “الثقة مفقودة بين الطرفين، وخصوصًا من الجانب الإيراني، لأن لدى الولايات المتحدة تاريخًا حافلًا بعدم الالتزام بالتعهدات، وأعتقد أن كل تأخير أميركي في تنفيذ الالتزامات يزيد من عامل فقدان الثقة داخل إيران”.
وأشار إلى أن “الطرفين يمارسان سياسة الضغط بالنار؛ فإيران تحاول، بالقدر الذي تستطيع، تأكيد حضورها في مضيق هرمز وقدرتها على التأثير في مسار الطاقة العالمي والاقتصاد، بينما ترى الولايات المتحدة أن أي تحكم إيراني بمضيق هرمز من دون توافق معها يمثل إنجازًا لطهران، وهو أمر لا يريد ترامب تقديمه أمام ناخبيه أو أمام التيار المتشدد داخل الولايات المتحدة”.
وفي ما يتعلق بتأثير هذه التطورات على لبنان، أوضح شومان أن “هناك مبالغة في ربط المسارين الإيراني واللبناني، فالإيرانيون في المفاوضات ومذكرة التفاهم طالبوا بالالتزام بوقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية، من دون التدخل في أي شأن لبناني آخر”.
واعتبر أن “الحملة التي تتحدث عن أن إيران تتدخل في الشأن اللبناني فيها الكثير من المبالغة والمواقف السلبية المسبقة”، مشددًا على أن “لبنان لديه القدرة، إذا أراد، على الاستفادة من مذكرة التفاهم، وأن يطالب الأميركيين بالضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار طالما أنهم تعهدوا بذلك ضمن المذكرة”.
وشدد شومان على أن “المنطق يقول إن على لبنان أن يتمسك بورقة القوة هذه، لأن ذلك لا يشكل تدخلًا في الشأن اللبناني، بل هو دعم للبنان، وهو سبب إيجابي قدمته طهران، وعلى لبنان أن يتلقفه بدل رفضه، لأن رفضه يعني التخلي عن عامل قوة أساسي”.
وختم بالقول: “الولايات المتحدة أكدت من خلال موافقتها على البند الأول في المذكرة ضرورة وقف إطلاق النار على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وعلى بيروت أن تتمسك بهذا التعهد. أما القول إن إيران تسعى إلى ربط المسارين، ففيه الكثير من التجني على السياسة قبل التجني على إيران أو على بعض الأطراف السياسية الداخلية”.




