سلايدات

من محاولة خطف إلى السلاح والمخدرات والملايين… لماذا لم يتحرك القضاء في ملف حدارة؟

لم يعد ما يُعرف بـ“ملف حدارة” مجرد خلاف عائلي أو حادثة أمنية عابرة وقعت في إحدى مناطق عكار، بل تحوّل، استناداً إلى إفادات مصوّرة ومشاهد ووثائق سبق أن نشرها “ليبانون ديبايت”، إلى سلسلة مترابطة من الادعاءات الخطيرة التي تبدأ بمحاولة خطف مسلحة، وتمرّ بملفات مخدرات وسلاح ورشاوى مزعومة، ولا تنتهي عند تحويلات مالية بملايين الدولارات وعمليات شراء عقارات نقداً.

وبدأت فصول القضية عندما تعرض خالد فاروق حدارة، وفق روايته، لمحاولة خطف في عكار، بعدما توجهت مجموعة من الأشخاص إلى أحد مقاهي سهل عكار بحثاً عنه، قبل أن تواصل ملاحقته في المنطقة ومحيطها.

وأظهرت المشاهد التي حصل عليها “ليبانون ديبايت” محمد حدارة، شقيق رجل الأعمال أحمد حدارة، مشاركاً في التحرك وحاملاً سلاحاً، فيما وثقت تسجيلات أخرى جانباً من المطاردة التي قال خالد حدارة إنها كانت تهدف إلى خطفه.

ولم تتوقف القضية عند هذه الواقعة، إذ خرج خالد حدارة لاحقاً في إفادة مصوّرة بالصوت والصورة، عرض فيها رواية تفصيلية تضمنت اتهامات بحق أحمد حدارة وشقيقه محمد، امتدت من محاولة الخطف وحيازة السلاح إلى شبهات تهريب المخدرات ومحاولة التأثير في القضاء.

وتكتسب هذه الإفادة أهمية إضافية، لأن خالد حدارة يقول إنه كان قريباً من أحمد حدارة ومن دائرة عمله، وإن المعلومات التي كشف عنها تستند إلى وقائع وأحداث اطّلع عليها خلال وجوده إلى جانبه.

وفي أحد أخطر فصول الإفادة، تحدث خالد حدارة عن واقعة قال إنها تعود إلى نحو خمس سنوات، حين جرى استيراد شحنة سكر من الهند إلى مرفأ طرابلس، وكانت مؤلفة، وفق روايته، من حاويتين.

وادعى أن إحدى الحاويتين غرقت في البحر، فيما جرى تسليم الحاوية الثانية، التي قال إنها كانت تحتوي على مواد مخدرة.

وفي السياق نفسه، ورد في الإفادة اسم بلال الهوشر، الذي وصفه خالد حدارة بأنه أحد شركاء أحمد حدارة والموقوف في القضية، زاعماً أنه معروف في مجال تهريب الممنوعات.

ولم تتوقف الادعاءات عند حدود الشحنة أو العلاقة بالهوشر، إذ زعم خالد حدارة أن أحمد حدارة حاول التدخل لإخراجه من السجن، وأنه كان مستعداً لدفع رشوة تصل إلى عشرة ملايين دولار أميركي إلى أحد القضاة، إلا أن ذلك لم يحصل، وفق الرواية، بسبب ملاحقة الهوشر من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI).

وانتقلت الإفادة بعد ذلك إلى ما يُعرف بـ“مزرعة الريّس” في عكار، التي قال خالد حدارة إنها تابعة لأحمد حدارة، مدعياً وجود أسلحة وقذائف داخلها، إلى جانب كاميرات مراقبة ومجموعات مسلحة تتولى حراسة الموقع والمنطقة على مدار الساعة.

كما اتهم هذه المجموعات بالوقوف خلف عمليات خطف شهدها شمال لبنان، وتحدث عن خطف شاب من بلدة الشيخ زناد وتهديده، إضافة إلى تعرض أفراد من عائلته للتهديد.

وبحسب المعلومات التي سبق أن نشرها “ليبانون ديبايت”، لا تُعد محاولة خطف خالد حدارة الواقعة الأولى التي يرد فيها اسم محمد حدارة في ملفات مشابهة، إذ سبق أن ارتبط اسمه بوقائع خطف وردت في تقارير أمنية رسمية، تضمنت، وفق تلك التقارير، انتزاع إفادات مصورة من مخطوفين تحت الضرب والتهديد.

لكن الجزء الأحدث من إفادة خالد حدارة نقل الملف من دائرة الأمن والسلاح إلى دائرة المال والعقارات، بعدما تحدث عن شبكة مالية واسعة قال إنها مرتبطة بأحمد ومحمد حدارة.

وبحسب الإفادة التي حصلت عليها RED TV، كانت مبالغ شهرية تصل إلى مليون ونصف مليون دولار أميركي تُحوّل من أستراليا، قبل أن تمر عبر شبكة من الصرافين في الضاحية الجنوبية والبقاع ومنطقة الحمرا.

وقال خالد حدارة إن انتقال هذه الأموال كان يتم بسرية وبترتيبات خاصة، بما يضمن عبورها بعيداً عن أي عوائق أمنية، من دون أن تتضح حتى الآن طبيعة هذه الأموال أو مصادرها النهائية أو الجهات التي كانت تتسلمها.

وتحدثت الإفادة أيضاً عن استثمارات عقارية واسعة، شملت، وفق الرواية، شراء أراضٍ وعقارات نقداً في عكار، إلى جانب عقار مرتبط بمستشفى في طرابلس ومساحات واسعة في منطقة جبل البلمند.

وهنا لم تعد القضية تتعلق فقط بادعاء عن محاولة خطف أو ظهور مسلحين في تسجيلات مصورة، بل باتت تطرح مجموعة مترابطة من الشبهات التي تشمل عمليات خطف، وحيازة أسلحة وقذائف، وتهريب مخدرات، ومحاولة رشوة قاضٍ، وتحويل أموال بملايين الدولارات، وشراء عقارات نقداً.

وعلى الرغم من نشر هذه الإفادات والمشاهد تباعاً، لم يظهر حتى الآن ما يؤكد فتح تحقيق شامل يجمع مختلف الوقائع في ملف قضائي واحد، أو استدعاء الأشخاص الواردة أسماؤهم للاستماع إلى إفاداتهم، أو تكليف الأجهزة المختصة بالتحقق من المواقع والتحويلات والعقارات المشار إليها.

ولا يعني نشر هذه الادعاءات الجزم بصحتها أو توجيه إدانة مسبقة إلى أي شخص، فإثبات الوقائع أو نفيها يبقى من اختصاص القضاء وحده. إلا أن خطورة ما ورد وتنوعه يفرضان تحقيقاً رسمياً لا الاكتفاء بالصمت أو التعامل مع كل واقعة كحادثة منفصلة.

فهل اطّلع النائب العام الاستئنافي في الشمال على الإفادات المصورة والمشاهد المتعلقة بمحاولة الخطف والسلاح والمخدرات المزعومة؟

وهل تم استدعاء أحمد حدارة ومحمد حدارة للاستماع إليهما بشأن ما ورد من ادعاءات، أو الاستماع مجدداً إلى خالد حدارة بصفته صاحب الإفادة والشخص الذي قال إنه تعرض لمحاولة الخطف؟

وهل جرى تكليف الأجهزة الأمنية بالكشف على “مزرعة الريّس” والتحقق من الادعاءات المتعلقة بوجود أسلحة وقذائف ومجموعات مسلحة داخلها؟

وهل تحرك مكتب مكافحة المخدرات للتحقيق في الرواية المرتبطة بشحنة السكر الآتية من الهند، والحاوية التي قيل إنها احتوت على مواد مخدرة؟

وأين أصبحت الادعاءات عن محاولة دفع عشرة ملايين دولار لإخراج موقوف من السجن؟ وهل جرى تحديد القاضي المقصود أو الاستماع إلى المعنيين للتأكد من صحة هذه الرواية أو كذبها؟

وماذا عن التحويلات الشهرية التي قيل إنها تصل إلى مليون ونصف مليون دولار من أستراليا؟ هل طلبت النيابة العامة التمييزية من هيئة التحقيق الخاصة أو الأجهزة المالية المختصة تتبع مسارها، والتحقق من الصرافين والحسابات والجهات المستفيدة منها؟

وهل جرى التدقيق في العقارات التي قيل إنها اشتريت نقداً في عكار وطرابلس وجبل البلمند، وفي مصادر الأموال المستخدمة في شرائها؟

ثم أين محافظ عكار من الادعاءات عن وجود مجموعات مسلحة وعمليات خطف ومواقع محصنة داخل نطاق المحافظة؟ وهل طلب تقارير من القوى الأمنية أو دعا إلى اجتماع أمني استثنائي للتحقق مما يُنشر؟

إن كانت إفادات خالد حدارة كاذبة، فإن خطورتها تفرض محاسبته أمام القضاء. وإن كانت صحيحة، ولو جزئياً، فإن ما ورد فيها لا يتعلق بخلاف شخصي، بل بملف أمني وقضائي ومالي بالغ الخطورة.

وفي الحالتين، لم يعد الصمت جواباً.

السؤال اليوم موجه مباشرة إلى النائب العام الاستئنافي في الشمال، وإلى النائب العام التمييزي في بيروت، وإلى محافظ عكار: ماذا تنتظرون لفتح هذا الملف، والتحقق من الوقائع، وإعلان الحقيقة أمام الرأي العام؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى