سلايدات

“لا يمكن إطلاق النار على متجر مغلق”… وصفة إسرائيلية لضرب النظام الإيراني

يرى مسؤول سابق في جهاز الموساد أن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في إيران لا تقتصر على التضخم ونقص السلع، بل يمكن أن تتحول، إذا اقترنت بإضرابات واسعة وضغط اقتصادي وإعلامي من الغرب، إلى نقطة ضعف مباشرة في منظومة الحرس الثوري والباسيج، معتبراً أن النظام في طهران يبدو متماسكاً من الخارج لكنه قد يصبح أكثر هشاشة عندما تنتقل المواجهة من الشارع إلى تعطيل مفاصل الاقتصاد.

وبحسب مقال رأي كتبه عوديد عيلام، المسؤول السابق في الموساد، ونشره موقع “N12” الإسرائيلي، فإن التضخم في إيران بات، خلال الأشهر الأخيرة، حاضراً بصورة يومية وقاسية في حياة الأسرة الإيرانية المتوسطة، ولا سيما من خلال تراجع قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية.

ويقول عيلام إن توقعات انكماش الناتج المحلي الإجمالي وارتفاع التضخم إلى مستويات بمئات النسب المئوية تجعل كلمة “أزمة” غير كافية لوصف الوضع، معتبراً أن الاقتصاد الإيراني يعيش انهياراً من طرف واحد، بينما لا يزال الغرب، وفق رأيه، يرفض رؤية أن الجدار الذي حمى نظام رجال الدين أصبح أكثر تشققاً من أي وقت مضى.

ويشير إلى أن إيران تمتلك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز كان يفترض، بحسب رأيه، أن توفر لها مستوى مرتفعاً من الرفاه الاقتصادي، إلا أن المواطنين يواجهون في الواقع الحالي صعوبات في تأمين الغذاء، فيما يلتهم الإيجار في المدن الرئيسية أكثر من 50% من الدخل المتاح للأسرة المتوسطة.

ويضيف أن شراء منتجات الألبان واللحوم والأدوية يتحول تدريجياً إلى مسألة بقاء يومية، معتبراً أن “العقد المدني غير المكتوب” بين السلطة والمواطنين يتآكل باستمرار.

ولا يعزو عيلام هذا الواقع إلى العقوبات والحصار وحدهما، بل يعتبر أن الوضع الاقتصادي الكارثي لن يتغير سريعاً حتى في حال رفع العقوبات، لأن المشكلة، بحسب وصفه، “بنيوية ومؤسساتية وفاسدة حتى الجذور”.

ومن هنا، ينتقد الكاتب سياسة واشنطن والغرب، معتبراً أنهما “يفوّتان فرصة تاريخية ونادرة لإسقاط النظام”، وأن ذلك يشكل، وفق تعبيره، تخلياً عن قيم الحرية والأخلاق التي يقولان إنهما يمثلانها.

كما يرفض الرهان على التوصل إلى اتفاق نووي جديد وحقيقي، واصفاً هذا التوقع بأنه “سذاجة في أفضل الأحوال، أو عمى إرادي في أسوأها”.

ويرى أن الإيرانيين يمارسون، بحسب تعبيره، “أقدم لعبة في العالم”، أي كسب الوقت بصورة تكتيكية عبر حركة دبلوماسية متعرجة، بهدف الوصول إلى موعد الانتخابات في الولايات المتحدة، انطلاقاً من افتراض أن دونالد ترامب وسياسته الهجومية سيغادران المشهد.

ويشير المقال، في أحد التعليقات المرافقة لصوره، إلى أن “العقد المدني مع النظام يتفكك مع كل يوم يمر”، فيما أرفق بصورة أرشيفية لشيعة في لبنان خلال أحد الأعياد.

لكن عيلام يعتبر أن استغلال الأزمة الاقتصادية الإيرانية لا يمر عبر بيانات تصدر من واشنطن أو دعوات مباشرة إلى تظاهرات شعبية واسعة في الشوارع.

ويحذر من أن دعوة الإيرانيين إلى النزول إلى الشارع من دون غطاء تعني، بحسب تعبيره، “إرسالهم إلى مذبحة مؤكدة أمام فوهات بنادق الحرس الثوري والباسيج”.

ويرى أن الطريق الأكثر فعالية لإضعاف النظام يجب أن يكون مركباً من خنق اقتصادي، وحرب على الوعي، وحراك مدني هادئ لكنه فعال من خلال إضرابات واسعة، معتبراً أن للولايات المتحدة والغرب دوراً حاسماً في تقديم التمويل والدعم في معركة التأثير على الرأي العام.

وبحسب تصوره، فإن توقف قطاعات النقل والعاملين في حقول النفط والمصارف والتجارة عن العمل يمكن أن يضع النظام في موقف بالغ الصعوبة.

ويقول: “لا يمكن إطلاق النار على مضربين يجلسون في منازلهم، ولا يمكن تشغيل مصافي النفط أو تنفيذ عمليات الائتمان تحت تهديد السلاح”.

ويضيف أن إضراباً من هذا النوع، إذا تزامن مع حملة إعلامية قوية تكشف للمواطن الإيراني، بحسب رأيه، إلى أين تذهب أمواله، “ليس إليه، بل إلى أصول مهرّبة في أوروبا وإلى ميليشيات في اليمن ولبنان”، فإن الاحتقان الداخلي سيصبح في نظره أمراً لا مفر منه.

وينطلق عيلام في تحليله من أن سيطرة النظام في إيران لا تقوم فقط على الأيديولوجيا أو التأييد الشعبي، بل أيضاً على جهاز قمع منظم ومحترف يتكون في عموده الفقري من الحرس الثوري وذراعه المدنية والمحلية، أي قوات الباسيج.

إلا أنه يعتبر أن هذه المنظومة ليست محصّنة، إذ تعمل وفق نموذج اقتصادي وتنظيمي ثقيل يمكن أن يصبح أكثر عرضة للضغط خلال إضرابات اقتصادية واسعة.

ويشرح أن دينامية الإضراب المدني العام تختلف كلياً عن التظاهرات المفتوحة في الشوارع، لأنها تعطل، وفق رأيه، الميزة الأساسية لأجهزة الأمن الإيرانية، أي التفوق القائم على استخدام القوة والعنف، أو ما يصفه بعبارة “لا يوجد من يمكن إطلاق النار عليه”.

فأجهزة القمع، كما يقول، مدربة على تفريق الاحتجاجات، وإغلاق التقاطعات، واستخدام الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي ضد تجمعات بشرية مركزة، لكن عندما تنتقل الاحتجاجات من الشوارع إلى المنازل المغلقة، تتراجع القيمة التكتيكية للسلاح والهراوات.

ويضيف: “لا يمكن استخدام الرشاشات ضد متاجر مغلقة، ولا يمكن إطلاق النار على مصنع نفط لم يحضر عماله ببساطة إلى مناوباتهم”.

ويشير إلى أن الباسيج يضم نحو 1.5 مليون ناشط مسجل، إلا أن النواة العملياتية الفعلية أصغر بكثير.

ويرى أنه في حال اندلاع إضراب شامل على مستوى البلاد يشمل النقل والمصارف والطاقة والتجارة، ستُجبر السلطة على نشر عناصرها بصورة متواصلة في كل مدينة ومحطة كهرباء وخط نفط وفرع مصرفي من أجل الحفاظ على “مظهر الحياة الطبيعية”.

وبحسب تحليله، سيؤدي هذا الانتشار المستمر إلى إنهاك جسدي ونفسي كبير لقوات القمع.

ويشير إلى أن كبار ضباط الحرس الثوري يتمتعون بامتيازات اقتصادية واسعة، في حين تتألف القاعدة الميدانية للباسيج من شبان ينتمون إلى طبقات اجتماعية واقتصادية منخفضة.

ويرى أنه عندما يطال التضخم عائلات العناصر الأصغر سناً في الباسيج، ويرون أقاربهم ينهارون تحت العبء الاقتصادي، فإن الالتزام بأوامر القمع، مثل إجبار المحال على فتح أبوابها بالقوة، يمكن أن يبدأ بالتآكل.

وأرفق المقال هذه الفكرة بصورة أرشيفية للاحتجاجات في إيران تحت عنوان يشير إلى “آلاف القتلى في الاحتجاجات”، مع تعليق يقول إن النظام يعرف كيف يتعامل مع جمهور من المتظاهرين عندما يكون مجتمعاً في مكان واحد.

ويذهب الكاتب أبعد من الجانب الأمني، إذ يعتبر أن الحرس الثوري ليس مجرد جهاز عسكري، بل “أكبر تكتل اقتصادي في إيران”، مشيراً إلى تقديرات تفيد بأنه يسيطر على نحو 30% إلى 50% من الناتج المحلي الإجمالي، من خلال شركة “خاتم الأنبياء” الهندسية، وشبكات تهريب، ومصارف، وشركات وقود.

ويرى أن ضرب تدفق الأموال إلى هذه المنظومة هو المفتاح لإضعاف الولاء داخلها.

وبالتوازي مع الضغط الداخلي والغربي، يدعو عيلام إسرائيل إلى الحفاظ على استقلالية كاملة وقدرة عسكرية يعتبرها “قاتلة” للرد على أي محاولة إيرانية لاستئناف النشاط في المسار النووي أو تسريعه.

ويقول إن على إسرائيل ألا “تبيع أمنها مقابل أوهام دبلوماسية للقوى الغربية”.

ويختتم الكاتب تحليله بتشبيه الأنظمة الديكتاتورية التي تبدو مستقرة من الخارج بالزجاج المقوّى، قائلاً إنها تستطيع تحمل ضغوط هائلة، لكنها عندما تصاب بالشرخ المناسب قد تتحطم دفعة واحدة.

وبرأيه، بدأ الجمهور الإيراني يشعر بأنه لم يعد لديه الكثير ليخسره، ولذلك فإن تخلّي الغرب عن “الأوهام”، وتشديد الضغط الاقتصادي، وتسليط الضوء على ما يعتبره حقيقة النظام، ودعم معركة الوعي بصورة فعلية، يمكن أن يترك بقية المهمة للشارع الإيراني نفسه.

وبذلك، لا يرى عيلام نقطة الضعف الأساسية للحرس الثوري في مواجهة مسلحة مباشرة، بل في اللحظة التي تصبح فيها أدواته التقليدية للقمع أقل فاعلية أمام مجتمع يختار تعطيل الدولة بدلاً من الوقوف أمام بنادقها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى