
هناك لحظات في تاريخ الأوطان لا يعود فيها السؤال: من انتصر؟ ومن هُزم؟ بل يصبح السؤال الأكثر وجعاً: هل يبقى الوطن أصلاً؟
ولبنان يقف اليوم على هذه الحافة.
ليس لأنه يفتقد إلى الرجال، ولا لأنه عاجز عن النهوض، بل لأن أبناءه الذين يفترض أن يكونوا أكثر الناس حرصاً عليه، يمعنون في تقسيمه حتى كاد كل فريق يرى في الآخر عدواً، وكل طائفة ترى في الطائفة الأخرى مشروع خطر، وكل سياسي يتعامل مع الوطن وكأنه ملكية خاصة، لا بيتاً يسكنه الجميع.
لقد أصبح الانقسام اللبناني عمودياً إلى درجة مخيفة.
نحن لا نختلف فقط على السياسة ، نحن نختلف على معنى الوطن نفسه. نختلف على السيادة، وعلى المقاومة، وعلى الدولة، وعلى السلاح، وعلى الخارج، وعلى الشرق والغرب، حتى أصبح اللبناني أحياناً مستعداً للدفاع عن موقف حزبه أكثر من استعداده للدفاع عن وطنه.
وهنا تكمن المأساة.
لقد صار بعضنا يخاف على لبنان من اللبناني الآخر أكثر مما يخاف عليه من العدو.
وهذه ليست مجرد مشكلة سياسية. هذه كارثة وطنية.
لبنان يتعرض لضغوط هائلة. اقتصاده أنهكته الأزمات، مؤسساته تترنح، وسيادته تنتهك، وأرضه عاشت ولا تزال تعيش تحت وطأة حرب واعتداءات إسرائيلية، والمنطقة بأسرها تغلي فوق صفيح من النار.
وفي الوقت الذي يفترض أن نتكاتف فيه، نجد أنفسنا نتقاتل على تفسير الخطر، وعلى من يملك الحقيقة، وعلى من يحق له أن يتحدث باسم الوطن.
والأكثر إيلاماً أن من يرفع راية السيادة في وجه الآخرين، يعترف في الوقت نفسه بأنه يتعرض لضغوط خارجية.
فإذا كنا نعرف أن الخارج يضغط علينا، فلماذا نساعده نحن على الضغط أكثر؟
إذا كان لبنان ضعيفاً، فلماذا نصرُّ على أن نجعله أضعف؟
وإذا كانت إسرائيل تضرب، والاقتصاد ينهار، والمنطقة تتحول إلى برميل بارود، فلماذا نقرر نحن أن نكون الوقود الداخلي لهذا الانفجار؟
هل ننتظر من الخارج أن ينقذنا من أنفسنا؟
لا أحد يريد إلغاء أحد. ولا أحد يطلب من اللبناني أن يتخلى عن قناعته أو أن يدفن خلافاته السياسية. لكن هناك فرقاً هائلاً بين الاختلاف وبين تحويل الوطن إلى خندقين.
الاختلاف حق.
أما أن يصبح لبنان نفسه هو الخاسر في كل معركة، فهذه جريمة بحق الأجيال القادمة.
أيها اللبنانيون…
تذكروا شيئاً بسيطاً كدنا ننساه:
حين تسقط الدولة، لا تسأل الأنقاض عن الطائفة.
وحين يجوع الناس، لا يسأل الجوع عن الحزب.
وحين تقع الحرب، لا تفرِّق الصواريخ بين موالٍ ومعارض.
وحين ينهار الاقتصاد، لا تنجو المصارف والسياسيون وحدهم.
وحين يسقط الوطن، لا يبقى فوق الركام أحد ليعلن انتصاره.
هذه هي الحقيقة التي يجب أن نقولها بلا تجميل.
كل فريق يعتقد أنه قادر على كسر الفريق الآخر واهم.
وكل سياسي يتصرف وكأن لبنان يستطيع تحمل المزيد من الانقسام واهم.
وكل من يعتقد أن سقوط خصمه سيؤدي تلقائياً إلى قيام وطن قوي، لا يعرف طبيعة الأوطان.
لبنان ليس جائزة يتسلمها المنتصر. لبنان هو البيت الذي سيُدفن الجميع تحت سقفه إذا انهار.
والبيت بدأ يتشقق.
تشققته الحرب، وأثقلته الأزمة الاقتصادية، ونهشته الطائفية، وأتعبته الزعامات، وأضعفته التدخلات الخارجية، ثم جئنا نحن، أبناء البيت، نضرب جدرانه من الداخل.
إلى متى؟
إلى أن يسقط؟
ثم نجلس فوق الركام ونسأل: من المسؤول؟
لن يكون هناك يومها مسؤول واحد.
سيكون الجميع مسؤولين.
من حرَّض، ومن خوَّن، ومن صفق، ومن سكت، ومن قدَّم مصلحة حزبه على مصلحة بلده، ومن ظن أن الخارج سيحميه إذا سقط لبنان.
والأخطر أن الخارج لا يريد لنا بالضرورة أن نتفق.
فالدول لا تبني حساباتها على عواطف الشعوب، بل على مصالحها. وعندما يكون البلد منقسماً، يصبح أكثر هشاشة، وأكثر قابلية للضغط، وأكثر استعداداً لأن يدفع ثمن صراعات لا يملك قرارها.
لذلك، فإن أقسى ما يمكن أن نفعله اليوم بأعدائنا ليس أن نصرخ عليهم أكثر، ولا أن نتبادل الاتهامات في الشاشات.
أقسى ما يمكن أن نفعله هو أن نتوحد.
أن نختلف في السياسة، ولكن نتفق على الوطن.
أن نختلف على السلاح، ولكن نتفق على حماية الأرض.
أن نختلف على العلاقة مع الخارج، ولكن نتفق على أن القرار اللبناني يجب أن يكون أولاً وأخيراً لمصلحة لبنان.
أن نختلف في كل شيء، إلا على شيء واحد: أن لا نسمح للبنان أن يسقط.
فالعواصف التي تضرب المنطقة أكبر من قدرة أي فريق لبناني على مواجهتها منفرداً.
ولا أحد يملك ترف الاستمرار في لعبة كسر العظم.
نحن أمام لحظة تاريخية قد لا تمنحنا فرصة ثانية.
إما أن نرتفع إلى مستوى الوطن، أو نهبط جميعاً إلى مستوى الانقسام.
إما أن ندرك أن لبنان أكبر من أحزابنا وطوائفنا وزعاماتنا، أو سنكتشف متأخرين أن كل تلك الزعامات والأحزاب والطوائف لم تعد تملك وطناً تتصارع عليه.
فلنبحث، ولو في اللحظة الأخيرة، عن كلمة سواء.
لا كلمة استسلام، ولا كلمة انتصار فريق على فريق، بل كلمة تجمع اللبنانيين حول الحد الأدنى من الثوابت التي تحفظ الوطن.
فلبنان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من المنتصرين.
لبنان يحتاج إلى من ينقذه من الجميع… ومن أنفسنا قبل الجميع.
لأن العاصفة في الخارج شديدة، نعم.
لكن الأخطر منها أن نفتح نحن أبواب البيت للعاصفة، ثم نتجادل في الداخل حول من كان يملك مفتاح الباب.
إما أن نمسك بأيدي بعضنا الآن، أو سنبحث غداً عن وطننا بين الركام




