
كشفت بيانات رسمية، الخميس، عن حصيلة بشرية ثقيلة لموجات الحر الشديدة التي ضربت أجزاء واسعة من أوروبا خلال صيف 2026، بعدما ارتبطت درجات الحرارة المرتفعة بوفاة آلاف الأشخاص في إسبانيا وألمانيا، في أرقام تعد من الأعلى المسجلة خلال السنوات الأخيرة.
وفي إسبانيا، أظهرت بيانات معهد كارلوس الثالث للصحة في مدريد أن نحو 4500 شخص توفوا على صلة بالحر خلال الفترة الممتدة من 1 حزيران حتى 19 آب 2026، في حصيلة تقترب من الرقم القياسي المسجل خلال الفترة نفسها من عام 2022.
وبحسب البيانات، كانت إسبانيا قد سجلت نحو 3073 وفاة مرتبطة بالحر خلال الفترة نفسها من عام 2025، فيما بلغ العدد نحو 1890 وفاة عام 2024، مقارنة بـ4520 وفاة تقريباً خلال عام 2022.
وتكشف المقارنة بين السنوات حجم الارتفاع المسجل خلال الصيف الحالي، في وقت تعرضت فيه مناطق إسبانية عدة لموجات حر متتالية رفعت درجات الحرارة إلى مستويات مرتفعة، وأثرت بصورة مباشرة على السكان والسياح، ولا سيما كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
أما في ألمانيا، فقد أعلن معهد روبرت كوخ أن التقديرات تشير إلى تسجيل نحو 14 ألف وفاة مرتبطة بفترات الحر الشديد حتى 9 آب الجاري، بمعدل 17 وفاة لكل 100 ألف نسمة.
ويغطي التقرير الألماني الفترة الممتدة من 6 نيسان حتى 9 آب، ويظهر ارتفاعاً كبيراً مقارنة بسنوات سابقة، إذ كانت الوفيات المرتبطة بالحر قد بلغت نحو 9400 حالة في عام 2018 و7600 حالة عام 2019.
وأشار معهد روبرت كوخ إلى أن تقديراته تتسم بالتحفظ، ما يعني أن العدد الفعلي للوفيات المرتبطة بالحر قد يكون أعلى، لافتاً إلى أن الحصيلة كانت قد بلغت نحو 12500 وفاة قبل أسبوع فقط، قبل أن ترتفع إلى نحو 14 ألفاً مع تحديث البيانات.
وتظهر الأرقام أن كبار السن كانوا الفئة الأكثر تأثراً في ألمانيا، إذ سُجل نحو 7040 وفاة بين الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 85 عاماً وما فوق، تلتهم الفئة العمرية بين 75 و84 عاماً بنحو 3450 وفاة، ثم الفئة بين 65 و74 عاماً بنحو 2170 وفاة.
ويعكس هذا التوزيع خطورة موجات الحر على الفئات الأكثر هشاشة صحياً، إذ تتراجع قدرة الجسم على تنظيم حرارته مع التقدم في السن، فيما يمكن للحرارة المرتفعة أن تزيد الضغط على القلب والجهاز التنفسي والكلى، وأن تؤدي إلى الجفاف واضطراب الأملاح وتفاقم الأمراض المزمنة.
ولا تعني الأرقام المسجلة أن جميع الوفيات ناجمة عن ضربة شمس مباشرة، إذ تعتمد المؤسسات الصحية الأوروبية في جانب كبير من تقديراتها على مقارنة عدد الوفيات المسجلة خلال فترات الحر مع المعدلات الطبيعية المتوقعة، بهدف تحديد الزيادة التي يمكن ربطها بارتفاع درجات الحرارة.
وغالباً ما تسهم الحرارة في تفاقم حالات صحية موجودة مسبقاً، خصوصاً لدى كبار السن والمصابين بأمراض القلب والرئة والكلى، ما يجعل الحر عاملاً غير مباشر في عدد كبير من الوفيات.
وتأتي هذه الحصيلة في ظل موجات حر متتالية شهدتها القارة الأوروبية خلال صيف 2026، ورافقتها في عدد من الدول حرائق غابات وجفاف ونقص في المياه وارتفاع حاد في استهلاك الكهرباء لتشغيل أجهزة التبريد.
وشهدت إسبانيا بصورة خاصة فترات طويلة من درجات الحرارة المرتفعة، فيما تعرضت ألمانيا بدورها لموجات حر دفعت السلطات الصحية إلى إصدار تحذيرات متكررة، ولا سيما لكبار السن والأطفال والأشخاص الذين يعملون في الهواء الطلق.
ويزيد من خطورة موجات الحر استمرار درجات الحرارة المرتفعة ليلاً، إذ يحتاج الجسم إلى انخفاض الحرارة خلال ساعات الليل للتعافي من الإجهاد الحراري الذي يتعرض له خلال النهار، بينما تؤدي الليالي الحارة المتواصلة إلى زيادة الضغط على الجسم.
كما تشكل المدن الكبرى بيئة أكثر عرضة لتراكم الحرارة بسبب الأبنية والإسفلت وقلة المساحات الخضراء، وهي ظاهرة تعرف باسم «الجزيرة الحرارية الحضرية»، حيث تبقى درجات الحرارة داخل المناطق المكتظة أعلى من المناطق الريفية المحيطة بها حتى بعد غروب الشمس.
وتتزايد في أوروبا خلال السنوات الأخيرة الدعوات إلى التعامل مع موجات الحر باعتبارها تحدياً للصحة العامة، وليس مجرد ظاهرة مناخية موسمية، عبر تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وفتح مراكز مبردة، وتكثيف متابعة كبار السن، وتحسين تجهيز المستشفيات ودور الرعاية.
كما تدفع الأرقام المتزايدة الحكومات الأوروبية إلى مراجعة خطط التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة، خصوصاً أن كثيراً من المنازل والمباني القديمة لم تُصمم أساساً للتعامل مع موجات حر طويلة ومتكررة.
وتحذر الأوساط العلمية منذ سنوات من أن التغير المناخي يرفع احتمال تكرار موجات الحر الشديدة ويزيد مدتها وحدتها، فيما تعد أوروبا من المناطق التي شهدت ارتفاعاً سريعاً في درجات الحرارة خلال العقود الأخيرة.
وبين نحو 4500 وفاة مرتبطة بالحر في إسبانيا ونحو 14 ألف وفاة مقدرة في ألمانيا، يكشف صيف 2026 عن حجم التحدي الصحي الذي تواجهه القارة، في وقت تبقى فيه الحصيلة النهائية مرشحة للارتفاع مع استمرار تحديث البيانات واستكمال تقييم آثار موجات الحر حتى نهاية الموسم.




