
يتعرض التحالف الاستراتيجي المتنامي بين إسرائيل واليونان خلال الأسابيع الأخيرة لحملة إعلامية تسعى إلى تصويره كعبء متزايد على أثينا، مستندة إلى الاحتجاجات الشعبية ضد إسرائيل وتداعيات الحرب في غزة. إلا أن قراءة الموقف الرسمي اليوناني تكشف صورة مختلفة، إذ تواصل الحكومة في أثينا تعميق تعاونها العسكري والأمني مع إسرائيل، رغم تنامي المعارضة الشعبية لهذا المسار.
وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليون في موقع “معاريف” الإسرائيلي، فإن موجة المنشورات التي تتناول العلاقات الإسرائيلية – اليونانية تُقدَّم، وفق فحص أجراه الموقع، في إطار ما وصفه بحملة تأثير مستمرة ضد المصالح الإسرائيلية واليونانية.
ويبرز هذا الخط بصورة خاصة في وسائل إعلام تتبنى موقفاً شديد الانتقاد لإسرائيل، بينها وسائل إعلام تركية وموقع «ميدل إيست آي»، الذي يُربط منذ سنوات بالخط الإعلامي القطري – التركي.
لكن متابعة وسائل الإعلام اليونانية ومواقف الحكومة في أثينا تظهر صورة أكثر تعقيداً، إذ توجد معارضة شعبية واسعة لإسرائيل على خلفية الحرب في غزة، بالتوازي مع استمرار الحكومة في توسيع العلاقات الأمنية والاستراتيجية مع إسرائيل.
وكان موقع «ميدل إيست آي» قد نشر، أمس، تقريراً موسعاً بعنوان «تحالف اليونان مع إسرائيل يتحول إلى عبء على الساحة الداخلية».
والموقع الذي يتخذ من لندن مقراً له، واجه على مدى السنوات الماضية اتهامات بوجود علاقات وتمويل قطريين، كما شارك مسؤولون سابقون في قناة «الجزيرة» في تأسيسه وإدارته.
وخلال الأزمة التي اندلعت بين قطر وعدد من الدول العربية عام 2017، طالبت السعودية والإمارات ومصر والبحرين بإغلاق الموقع إلى جانب قناة «الجزيرة».
ويربط تقرير «ميدل إيست آي» الغضب تجاه إسرائيل داخل اليونان بالحرب في غزة، وبشراء منظومات سلاح إسرائيلية، إضافة إلى ارتفاع أسعار العقارات، الذي يربطه باستثمارات إسرائيلية في القطاع العقاري.
كما يستند التقرير إلى تصريحات ناشطين ومعارضين سياسيين للعلاقة مع إسرائيل، ويعرض التحالف باعتباره علاقة غير متوازنة تزداد إثارة للجدل داخل اليونان.
وبعض الوقائع التي يستند إليها التقرير ليست موضع خلاف، إذ شهدت أكثر من 100 نقطة في أنحاء اليونان، في بداية آب، تظاهرات تضامنية مع الفلسطينيين، رفعت في بعضها مطالب واضحة بـ«عدم التعاون مع إسرائيل».
وبحسب الموقع اليوناني «in.gr»، شارك آلاف الأشخاص في تلك الاحتجاجات.
وفي 14 آب، شهد ميناء بيرايوس تظاهرة إضافية ضد وصول سفينة الرحلات السياحية «كراون إيريس»، التي كان على متنها سياح إسرائيليون.
وفي قطاع العقارات، يوجد أيضاً حضور إسرائيلي لافت، إذ أظهرت بيانات شركة «RE/MAX» التي نشرتها صحيفة «كاثيميريني» أن الإسرائيليين كانوا خلال عام 2025 المجموعة الأكثر نشاطاً بين المشترين الأجانب للشقق في أتيكا وسالونيك.
لكن الصورة الاقتصادية التي تقدمها وسائل الإعلام اليونانية أوسع من ذلك، إذ تأتي الاستثمارات الأجنبية في العقارات أيضاً من بريطانيا والولايات المتحدة وتركيا ودول أوروبية ودول أخرى.
ولا تقدم الصحافة الاقتصادية اليونانية الإسرائيليين باعتبارهم العامل الوحيد أو الرئيسي المسؤول عن ارتفاع الإيجارات.
وفي موازاة ذلك، يظهر خطاب مشابه لذلك الذي يتبناه «ميدل إيست آي» في وسائل الإعلام التركية.
فوكالة «الأناضول» الرسمية تغطي بصورة موسعة وبنبرة انتقادية التظاهرات المناهضة لإسرائيل في اليونان، بما يشمل الاحتجاجات ضد السياح الإسرائيليين والدعوات إلى قطع العلاقات بين البلدين.
أما هيئة البث التركية الرسمية «TRT»، فذهبت في بداية تموز إلى أبعد من ذلك، عندما نشرت عنواناً جاء فيه: «اعترافات في الإعلام اليوناني: إسرائيل أوقعتنا في الفخ».
وجمعت المادة مقالات من مواقع يونانية تنتقد إسرائيل، وادعت أن التعاون معها يحوّل اليونان إلى «قمر تابع لإسرائيل» و«حصان طروادة».
ويُعد هذا الخط أكثر حدة بكثير من الخطاب الذي يظهر عادة في وسائل الإعلام اليونانية الرئيسية.
كذلك وصفت صحيفة «خبر تورك»، استناداً إلى وكالة «الأناضول»، التدريبات العسكرية المشتركة بين إسرائيل واليونان في تموز بأنها جزء من «تحالف ضد تركيا»، وأضافت أن إسرائيل وأثينا «تتوحدان حول خطاب معادٍ لتركيا».
وفي الوقت نفسه، شددت صحيفة «حرييت ديلي نيوز» على أن شراء اليونان منظومات دفاع إسرائيلية قد يؤدي إلى زيادة التوتر بين أثينا وأنقرة.
لكن الفارق يصبح أكثر وضوحاً عند مقارنة هذا الخط بمواقف المؤسسة الرسمية اليونانية.
ففي 19 آب، أفادت صحيفة «كاثيميريني» بأن رئيس أركان الجيش اليوناني الجنرال ديميتريوس خوبيس التقى في إسرائيل رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير وعدداً من كبار مسؤولي وزارة الدفاع.
ووصفت وزارة الدفاع اليونانية الزيارة بأنها دليل على «الأهمية الاستراتيجية والوزن الخاص للعلاقات العسكرية الراسخة بين اليونان وإسرائيل»، مؤكدة التزام البلدين بمواصلة تعميق التعاون.
وفي تموز، وافقت اليونان على خطة للتزود بمنظومة الدفاع متعددة الطبقات «درع أخيل»، التي تعتمد في مركزها على منظومات إسرائيلية، ضمن صفقة تُقدر قيمتها بنحو 2.8 إلى 3.1 مليارات يورو.
كما ترفض الحكومة اليونانية محاولة تقديم المعارضين لإسرائيل على أنهم يمثلون البلاد بأكملها.
وكان وزير الصحة اليوناني أدونيس جورجياديس قد وصف، الأسبوع الماضي، الأشخاص الذين أثاروا اضطرابات ضد سياح إسرائيليين بأنهم «أقلية بائسة»، واعتبر إسرائيل واحدة من أهم حلفاء اليونان، داعياً الإسرائيليين إلى مواصلة زيارة بلاده.
أما أحد الأرقام التي استند إليها «ميدل إيست آي»، فيحتاج أيضاً، وفق التقرير، إلى توضيح.
فالموقع ذكر أن استطلاعاً لمركز «بيو» أظهر أن 65% من اليونانيين «يعارضون الشراكة» مع إسرائيل، إلا أن السؤال في الاستطلاع لم يتناول أصلاً الشراكة بين الدولتين.
وخلص «بيو» إلى أن 65% من اليونانيين لديهم نظرة سلبية إلى إسرائيل، في مقابل 30% يحملون نظرة إيجابية إليها.
ويشير هذا الرقم إلى تراجع كبير في صورة إسرائيل داخل الرأي العام اليوناني، لكنه لا يعني أن 65% من اليونانيين يعارضون التحالف الاستراتيجي معها.
وبناءً على المصادر اليونانية، فإن الصورة لا تشير إلى تحالف يقف على حافة الانهيار.
ففي اليونان توجد احتجاجات شعبية واسعة ضد الحرب في غزة، وانتقادات حادة لإسرائيل، ولا سيما من أوساط اليسار، لكن حكومة كيرياكوس ميتسوتاكيس تواصل في الوقت نفسه النظر إلى إسرائيل باعتبارها رصيداً أمنياً في مواجهة التهديدات في شرق المتوسط.
وهذه الفجوة تتيح لوسائل إعلام معادية لإسرائيل، خصوصاً في تركيا وفي البيئة الإعلامية المرتبطة بقطر، أخذ ظواهر حقيقية داخل المجتمع اليوناني ودمجها ضمن سردية أوسع تقول إن التحالف مع إسرائيل أصبح مشكلة استراتيجية لأثينا.
لكن، حتى الآن وعلى مستوى السياسة الرسمية اليونانية، فإن الواقع يشير إلى اتجاه معاكس، حيث تتواصل الاحتجاجات في الشارع فيما تمضي أثينا في تعميق تعاونها الأمني والعسكري مع إسرائيل.




