
تجاوز ملف ناقلة الفيول «CAN KA» مسألة النقص الشكلي في المستندات، بعدما أكدت العقوبات الأوروبية والسويسرية خطورة الشبهات التي دفعت القضاء والجمارك اللبنانيين إلى التدخل منذ مطلع عام 2026.
ففي 11 آب 2026، أدرجت السلطات السويسرية شركة «Trans KA Tankers Management Company Limited»، المشغّلة للناقلة، على لائحة العقوبات المرتبطة بالحرب الروسية على أوكرانيا، بعدما سبق للاتحاد الأوروبي أن أدرجها على لوائحه في حزيران.
وفرضت سويسرا تجميد أموال الشركة ومواردها الاقتصادية، وحظرت توفير الأموال والخدمات لمصلحتها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. كما شملت التدابير الحسابات والضمانات والاعتمادات والمدفوعات والحمولات المنقولة على متن ناقلاتها.
وبرّرت السلطات السويسرية قرارها بأن الشركة تشغّل ناقلات نقلت النفط والمشتقات النفطية الروسية، مع التلاعب بإشارات نظام التتبّع البحري «AIS» وعدم توافر تغطية تأمينية كافية.
وتكتسب هذه العقوبات أهمية لبنانية مباشرة، لكونها جاءت بعد أشهر من التدابير التي اتخذتها النيابة العامة المالية والجمارك اللبنانية في شأن «CAN KA»، بما يؤكد أن السلطات اللبنانية كانت سبّاقة في رصد خطورة مسار الناقلة وحمولتها.
فبعدما ختمت النيابة العامة المالية تحقيقها في نوعية الفيول وأحالت شقّ المنشأ إلى الجمارك ضمن صلاحياتها، مُنعت الناقلة من السفر، وطُلب من الشركة الموردة إبراز المستندات الأصلية التي تثبت منشأ الحمولة ومسار تصديرها.
وتصدّرت قائمة المستندات المطلوبة شهادات المنشأ الأساسية الصادرة عن تركمانستان وكازاخستان، إلى جانب إيصال الدفع الجمركي عند تصدير الحمولة من تركيا، وبوليصات الشحن والبيانات التي تتيح ربط الحمولة المصدّرة بالمواد التي يُدّعى أنها دخلت الأراضي التركية من هذين البلدين.
إلا أن الشركة لم تُبرز هذه المستندات طوال نحو 8 أشهر، رغم أنها تشكّل الحلقة الأساسية في إثبات المنشأ المصرّح عنه. فالشهادة التركية وحدها لا تكفي لإثبات أن الفيول منشؤه تركمانستان أو كازاخستان، ما لم تكن مدعومة بالمستندات الأصلية الصادرة عن بلدَي المنشأ وبالبيانات الجمركية التركية التي تثبت دخول الحمولة وإعادة تصديرها بصورة قانونية.
وبعد إبقاء الناقلة ممنوعة من السفر لأسابيع، سمحت الجمارك بمغادرتها إثر تدخل رسمي تركي، وبعد توقيع ممثل الشركة في لبنان، خليل خوري، تعهدًا بتحمل المسؤولية. وفي المقابل، تحفظت الجمارك على كفالة حسن التنفيذ البالغة نحو 3.8 ملايين دولار، ضمانًا لحقوق الدولة واستكمالًا للتحقيق.
لكن الشركة الموردة فضّلت عمليًا ترك الكفالة تحت يد الجمارك وإنقاذ الناقلة والحمولة، بعدما كانت وزارة الطاقة قد دفعت ثمن الفيول، من دون أن تقدّم حتى اليوم المستندات الحاسمة التي تثبت صحة المنشأ.
وأظهرت التطورات اللاحقة أهمية التحفظ الذي أجرته الجمارك، إذ فرض الاتحاد الأوروبي، ثم سويسرا، بعد أشهر فقط، عقوبات على الشركة المشغّلة للناقلة بسبب نشاطها في نقل النفط الروسي والممارسات الخطرة المرتبطة بحركة ناقلاتها.
وبذلك، لم يعد الامتناع عن إبراز شهادات المنشأ الأساسية وإيصال الدفع الجمركي التركي مجرد تأخير إداري، بل أصبح عنصرًا جوهريًا في تحديد المنشأ الحقيقي للحمولة ومدى صحة البيانات المقدمة إلى الدولة اللبنانية.
ومع انقضاء المهلة العملية لإبراز المستندات واستمرار تمنّع الشركة عن تقديمها، يُتوقع أن ينتقل الملف إلى مرحلته الإجرائية التالية أمام المجلس الأعلى للجمارك، استنادًا إلى نتائج التحقيق والمستندات المتوافرة والتحفظ القائم على كفالة حسن التنفيذ.
وتتزامن هذه المرحلة مع ادعاء النيابة العامة المالية على الشركة الموردة «Iplom International SA»، وحجز ما يقارب 12 مليون دولار من كفالاتها المصرفية، على خلفية شبهات تتعلق باستيراد 3 ناقلات فيول من روسيا وتدفيع الدولة اللبنانية أكثر من 18 مليون دولار فوق سقف الأسعار المسموح به بموجب نظام العقوبات.
وأظهرت قضية «CAN KA» أن التدقيق في شهادات المنشأ ومسار الناقلات ليس إجراءً شكليًا، إذ تحركت الجمارك اللبنانية قبل العقوبات الأوروبية والسويسرية بأشهر، وتحفظت على الكفالة عندما لم تتمكن الشركة من إثبات منشأ الحمولة.
واليوم، بعد العقوبات الدولية واستمرار غياب شهادات المنشأ الأصلية من تركمانستان وكازاخستان وإيصال الدفع الجمركي التركي، بات الملف مهيأً لاستكمال مساره أمام المجلس الأعلى للجمارك والنيابة العامة المالية، وترتيب النتائج القانونية والمالية المترتبة عليه.




