
تتزايد في واشنطن المخاوف من أن تكون إيران قد بدأت انتقالًا متعمدًا إلى مستوى أخطر من المواجهة، بعد سلسلة محاولات متكررة لاستهداف سفن حربية أميركية في الشرق الأوسط واستخدام صواريخ بقدرات أكثر تطورًا، فيما يثير احتمال حصول طهران على دعم روسي وصيني في تعقب الأهداف البحرية قلقًا إضافيًا، بالتوازي مع تصاعد الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية عليها.
وبحسب تقرير للصحافي أساف روزنتسفايغ في موقع “N12” الإسرائيلي، تخشى الولايات المتحدة من تصعيد جديد في الحرب مع إيران، بعدما حاولت القوات الإيرانية خلال الأيام الأخيرة إصابة سفن حربية أميركية مرارًا في المنطقة، في تحركات تُعد، وفق التقديرات الأميركية، الأكثر جدية حتى الآن في مسعى قد يجر المنطقة مجددًا إلى حرب واسعة النطاق.
وخلال الأسبوع الماضي وحده، أُطلقت صواريخ في 3 مناسبات على الأقل باتجاه قطع بحرية أميركية، بينها حاملة طائرات، فيما أطلقت إيران هذا الأسبوع أيضًا رشقة كبيرة باتجاه قوات أميركية في الأردن.
وأعلنت السلطات الأردنية اعتراض 18 من أصل 20 صاروخًا باليستيًا أُطلقت باتجاهها، فيما أفادت شبكة “CBS” بأن عددًا من الطائرات الحربية الأميركية أُصيب.
ووفق تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنل”، اقتربت محاولات إصابة السفن هذه المرة من تحقيق أهدافها أكثر من المحاولات السابقة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى استخدام إيران رؤوسًا حربية تتمتع بقدرة على المناورة أثناء الطيران.
وقالت القيادة المركزية الأميركية إن السفن تمكنت من الإفلات، إلا أن مسؤولين أميركيين يخشون أن تكون إيران قد حسّنت قدرتها على تحديد مواقع السفن المتحركة وضربها، ربما بمساعدة من روسيا أو الصين.
وفي واشنطن، ينصب القلق بصورة خاصة على صاروخي “قاسم بصير” و”خليج فارس”، اللذين يمتلكان نظام توجيه كهروبصريًا في المرحلة الأخيرة من مسار الطيران، بما يسمح لهما، نظريًا، بالتعرف إلى الهدف وتصحيح المسار نحوه، وهي قدرة تكتسب أهمية خاصة عند استهداف السفن باعتبارها أهدافًا متحركة.
وكُشف عن صاروخ “قاسم بصير” في إيران في أيار 2025، ويُقدَّم باعتباره تطويرًا لصاروخ “حاج قاسم”.
وبحسب البيانات الإيرانية، فإن “قاسم بصير” صاروخ من مرحلتين يعمل بالوقود الصلب، يبلغ مداه نحو 1200 كيلومتر، ويحمل رأسًا حربيًا يزن نحو 500 كيلوغرام.
كما تُنسب إليه منظومة توجيه كهروبصرية أو بالأشعة تحت الحمراء، وقدرة على مناورة الجزء الحامل للرأس الحربي أثناء دخوله الغلاف الجوي، إلى جانب وسائل مصممة لمواجهة الحرب الإلكترونية.
ومع ذلك، فإن قدرة هذا الصاروخ على إصابة سفن متحركة لم تُثبت بصورة علنية، كما لا يُعرف ما إذا كان قد استُخدم فعلًا لهذا الغرض.
أما صاروخ “خليج فارس”، فهو صاروخ باليستي مضاد للسفن كُشف عنه عام 2011 ودخل الخدمة في 2014.
ويستند الصاروخ إلى عائلة “فاتح-110″، وقد صُمم أساسًا لضرب أهداف بحرية، ويبلغ مداه نحو 300 كيلومتر، فيما يزن رأسه الحربي نحو 650 كيلوغرامًا ويعمل بالوقود الصلب.
ويستخدم “خليج فارس” نظام توجيه بالقصور الذاتي، إلى جانب منظومة كهروبصرية في المرحلة النهائية من الطيران.
وبحسب البيانات الإيرانية، يستطيع الصاروخ بلوغ أقصى مداه في أقل من 5 دقائق، والتحرك بسرعة تصل إلى 3 أضعاف سرعة الصوت، إلا أن هذه المعطيات لم تُتحقق منها بالكامل في الغرب.
ولا يقتصر القلق الأميركي على قدرة الصواريخ على إصابة السفن، بل يشمل أيضًا قدرة إيران على العثور عليها أصلًا، إذ إن الصاروخ المزود بتوجيه كهروبصري يحتاج رغم ذلك إلى معلومات مسبقة حول الموقع التقريبي للهدف.
ويشير الأميركيون إلى أن الضربات الأميركية خلال الأسابيع الأخيرة كان يفترض أن تكون قد ألحقت أضرارًا كبيرة بقدرات إيران على الاستطلاع والرادارات والرصد بعيد المدى.
ولهذا السبب، أثار مسؤولون أميركيون احتمال أن تكون روسيا أو الصين تساعدان إيران في تعقب السفن الأميركية.
وكانت الولايات المتحدة قد فرضت في أيار عقوبات على جهات مقرها الصين، متهمة إياها بتزويد إيران بصور أقمار اصطناعية خلال الحرب.
والسيناريو الأكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى واشنطن هو أن تنجح إيران في الجمع بين القدرة على تحديد مواقع السفن الأميركية في عرض البحر وبين صاروخ قادر على التعرف إلى الهدف وتصحيح مساره قبل الإصابة، حتى في حال قيام السفينة بمناورات بهدف الإفلات.
وبحسب القراءة الأميركية الواردة في التقرير، تمثل هذه التطورات تصعيدًا واضحًا في طريقة استخدام إيران للصواريخ والأسلحة، في ما يُنظر إليه تقريبًا على أنه محاولة واضحة لرفع مستوى المواجهة وخلق تصعيد أوسع.
كما يرى التقرير أن لإيران مصلحة أساسية في إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالولايات المتحدة وبالرئيس دونالد ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي التي تفصل عنها أقل من شهرين.
ويأتي التصعيد العسكري في ظل ضغط اقتصادي ثقيل على إيران، إذ تفرض 19 سفينة أميركية حصارًا ألحق ضررًا بصادرات النفط الإيرانية، فيما تؤثر العقوبات الجديدة على الوضع المالي لطهران وتدفع الريال إلى مزيد من التراجع، بالتوازي مع تقليص دعم الوقود.
ووفق شركة “Kpler” المتخصصة في تتبع حركة السفن، لم يمر أي نفط خام إيراني عبر الحصار منذ إعادة فرضه في منتصف تموز.
ويبلغ معدل التضخم في إيران أكثر من 80% على أساس سنوي، فيما يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4% هذا العام.
وبالتوازي، تعمل السعودية والإمارات على نقل كميات أكبر من النفط عبر خطوط أنابيب تتجاوز مضيق هرمز، فيما تقود الولايات المتحدة قوافل عبر المضيق.
وبالنسبة إلى طهران، فإن الحفاظ على القدرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز والقوات الأميركية التي تحميها يمثل عنصرًا مركزيًا في استراتيجيتها العسكرية وأداة ضغط تفاوضية في الوقت نفسه.
وكان مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني قد أفاد، يوم الأربعاء، بتضرر عدد من السفن التجارية في الخليج ومضيق عُمان.
وفي المقابل، تواصل إيران رفع مستوى التهديد، وأعلنت أنها ستنشئ “منطقة إبعاد” للسفن في نطاق مضيق هرمز والخليج.
وفي مسار موازٍ للتصعيد العسكري والاقتصادي، تواجه إيران أيضًا ضغطًا دبلوماسيًا متجددًا على خلفية برنامجها النووي.
فقد قرر مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أمس، وبقيادة الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي للمرة الأولى منذ 20 عامًا، بسبب عدم تعاون طهران مع الوكالة وعدم وفائها بالتزاماتها المتعلقة بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
وصوتت 23 دولة من أصل 35 دولة في مجلس المحافظين لمصلحة القرار، فيما عارضته الصين وروسيا والنيجر، وامتنعت 8 دول عن التصويت، في حين لم تشارك دولة واحدة في التصويت.
وأشار عدد من المعلقين بصورة خاصة إلى وقوف النيجر إلى جانب إيران.
وتخضع النيجر في السنوات الأخيرة لحكم مجلس عسكري يسيطر على البلاد بالقوة، وترتبط بعلاقات وثيقة جدًا مع روسيا.
كما تضم النيجر مناجم كبيرة لليورانيوم، وسبق أن أفادت تقارير بأن إيران توسع علاقاتها مع الدولة في محاولة للحصول على إمكانية الوصول إلى مخزوناتها من اليورانيوم.
وتفتح إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن الباب أمام إمكان فرض عقوبات إضافية وتجميد أصول، إلا أن تنفيذ خطوات من هذا النوع لا يبدو سهلًا، في ظل توقع استخدام روسيا والصين حق النقض ضد قرارات من هذا النوع في مجلس الأمن.
وفي طهران، قوبل القرار بغضب شديد، إذ وصف سفير إيران لدى مؤسسات الأمم المتحدة في فيينا رضا نجفي الخطوة بأنها “أداة سياسية”، معتبرًا أنها تضر باستقلال الوكالة الدولية للطاقة الذرية وحيادها ومصداقيتها.
وبالنسبة إلى إيران، يشكل القرار تطورًا دبلوماسيًا بالغ الإزعاج يضعها في موقع سلبي سياسيًا، رغم أن فرص تجاوزه الفيتو الروسي والصيني تبقى منخفضة جدًا.
وقال نجفي إن الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل تجعل تنفيذ التزامات الرقابة مستحيلًا.
كما قال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي إن الولايات المتحدة وإسرائيل هاجمتا منشآت نووية خاضعة للرقابة، وعطلتا عملية التحقق، ثم استخدمتا هذا التعطيل ذريعة لتمرير القرار.
ومنذ الضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في حزيران 2025، لم تسمح طهران لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول إلى المواقع التي تعرضت للضرب.
كما لم تتمكن الوكالة من التحقق من وضع مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة قريبة من المستوى العسكري المطلوب لتطوير سلاح نووي.
وكان مجلس محافظي الوكالة قد اتخذ قرارًا مشابهًا عشية انطلاق عملية “الأسد الصاعد” في حزيران 2025.
وبين صواريخ أكثر قدرة على المناورة، وشبهات حول مساعدة روسية وصينية في تعقب الأهداف، وحصار اقتصادي يضغط على طهران، وإعادة ملفها النووي إلى مجلس الأمن، ترى واشنطن أن إيران ترفع سقف المخاطرة في أكثر من جبهة في آن واحد، بما يزيد احتمالات انتقال المواجهة من احتكاكات يومية إلى حرب أوسع.




