
تتجه كندا نحو واحدة من أكثر التحولات الاستراتيجية طموحًا في تاريخ علاقاتها الخارجية، مع بدء محادثات واسعة مع الاتحاد الأوروبي بهدف بناء شراكة اقتصادية وأمنية وعلمية عميقة، قد تمنح أوتاوا وضعًا أقرب ما يكون إلى “شريك داخل الاتحاد” من دون العضوية الكاملة، في خطوة ترتبط مباشرة بتصاعد الخلاف مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وبحسب تقرير للصحافي أساف روزنتسفايغ في موقع “N12” الإسرائيلي، نقلًا عن صحيفة “وول ستريت جورنال”، يدفع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني باتجاه تعزيز غير مسبوق للعلاقات بين بلاده والاتحاد الأوروبي، في محاولة لتقليص اعتماد كندا على الولايات المتحدة بعد المواجهة الحادة مع إدارة ترامب.
وأكد كارني مساء الأحد صحة التقرير، مشيرًا إلى أن بلاده وأوروبا تبحثان إقامة ما وصفه بـ”تحالف فريد”.
ولا يتعلق الأمر بانضمام كندا الكامل إلى الاتحاد الأوروبي، بل ببناء تعاون اقتصادي واستراتيجي واسع يمكن أن يجعل العلاقات بين الطرفين أكثر ترابطًا في مجالات الأمن والتجارة والطاقة والتعليم والبحث العلمي وغيرها.
وبحسب مصادر مطلعة على المحادثات، تدرس كندا وأوروبا مجموعة واسعة من الخيارات التي قد تنقل العلاقات الاقتصادية والأمنية والعلمية بينهما إلى مستوى مختلف تمامًا.
وكان كارني قد طرح أمام عدد من القادة الأوروبيين إمكان منح كندا وضعًا جديدًا يشبه “الدولة الشريكة للاتحاد الأوروبي”، وهو أقرب مستوى يمكن أن تصل إليه دولة غير أوروبية من الاتحاد من دون الانضمام إليه رسميًا.
ولا تُطرح حاليًا العضوية الكاملة في الاتحاد أو في السوق الأوروبية المشتركة، إلا أن مسؤولين أوروبيين وكنديين أكدوا أن الاتحاد منفتح على بحث نموذج جديد من هذا النوع.
وخلال الأشهر الأخيرة، أجرى كارني محادثات خاصة مع معظم القادة الأوروبيين البارزين، من فرنسا وإيطاليا إلى ألمانيا والدول الإسكندنافية.
وبالتوازي، طلب من مبعوثه الخاص إلى أوروبا دراسة أكثر الخيارات طموحًا لتعزيز العلاقة مع الاتحاد، من دون الانضمام إليه بشكل كامل.
ووفق التقرير، تتمثل الغاية في إجراء تحول كبير في الاقتصاد والمجتمع الكنديين، بعد نحو نصف قرن كانت فيه العلاقة مع الولايات المتحدة هي المهيمنة.
وقد يحول الخلاف مع ترامب هذا المسار إلى ما وصفه التقرير بـ”زلزال جيوسياسي” حقيقي.
إلا أن كارني أوضح مساء الأحد أن بلاده لا تسعى إلى العضوية الكاملة، وقال على السجادة الحمراء لمهرجان تورونتو السينمائي الدولي: “نحن لا نسعى لأن نصبح أعضاء في الاتحاد الأوروبي”.
وأضاف أن كندا والاتحاد الأوروبي “يتشاركان القيم نفسها، ولدينا الأولويات نفسها ونقاط قوة متكاملة جدًا”.
ومن بين الخيارات الأساسية التي تُناقش، إيجاد صيغة تسمح لكندا بالاندماج بصورة غير رسمية في السوق الأوروبية المشتركة، التي تبلغ قيمتها نحو 21 تريليون دولار، في عدد من المجالات الاستراتيجية.
وتشمل هذه المجالات الطاقة، والذكاء الاصطناعي، والمعادن الحيوية اللازمة لإنتاج البطاريات وأشباه الموصلات، إضافة إلى قطاع الدفاع.
وتقوم الفكرة على السماح مستقبلًا للسلع والخدمات والعمال الكنديين في هذه القطاعات بالتحرك بحرية أكبر بين كندا وأوروبا، بما يجعل الحدود الاقتصادية بين الطرفين أقل تقييدًا في مجالات محددة.
وخلال المحادثات مع فرنسا، طُرح أيضًا احتمال السماح للكنديين بالإقامة والعمل في أوروبا من دون الحاجة إلى تأشيرة.
ويُعد هذا من بين أكثر الخيارات طموحًا المطروحة للنقاش، ويعكس مدى اتساع نطاق المحادثات.
وفي الوقت نفسه، تبحث كندا والاتحاد الأوروبي إقامة مشاريع مشتركة في مجالي البنية التحتية والتكنولوجيا.
وتشمل الأفكار التي يجري بحثها مد كابلات بحرية بين أوروبا وكندا، وإنشاء مراكز بيانات ومنشآت تخزين سحابي مشتركة، وتطوير شبكات أقمار صناعية جديدة لا تعتمد على شركات التكنولوجيا الأميركية.
كما يدفع كارني باتجاه بناء خطوط أنابيب تسمح لكندا بتوجيه الغاز إلى أوروبا بدل مروره عبر الولايات المتحدة.
إضافة إلى ذلك، تُبحث إمكانات استخدام سفن كاسحة للجليد لفتح مسار في القطب الشمالي يتيح تصدير الأسمدة الكندية شرقًا عبر الممر الشمالي الغربي.
ولا تقتصر المحادثات على التجارة والطاقة.
فكندا والاتحاد الأوروبي يبحثان أيضًا ربط مؤسسات البحث العلمي بهدف إنشاء شبكة أكاديمية وعلمية قادرة على منافسة منظومة الجامعات الأميركية.
ويدفع كارني كذلك نحو انضمام كندا إلى برنامج تبادل الطلاب التابع للاتحاد الأوروبي.
أما في المجال الأمني، فتشهد العلاقات أصلًا تقاربًا متزايدًا.
وتقيم كندا اتصالات مع ألمانيا والنرويج، من بين أمور أخرى، بشأن شراء غواصات ألمانية ونرويجية.
وبحسب التقرير، أصبح الملف الدفاعي واحدًا من أكثر الملفات إلحاحًا في المحادثات بين كندا وأوروبا، على خلفية الحاجة المتزايدة لتعزيز قدرات دول حلف شمال الأطلسي.
وخلال الصيف، سرّع الطرفان وتيرة المحادثات عبر قنوات دبلوماسية مختلفة.
وفي اجتماعات التحضير لقمة مجموعة الدول الـ7 في تولوز بفرنسا، حددت كندا وأوروبا 11 مجالًا تسعيان فيه إلى تعميق التعاون وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا والمعدات الأمنية والتجارة الأميركية.
ويأتي هذا التحرك على خلفية التحول الحاد في العلاقات الكندية – الأميركية منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، بالتوازي مع الصعوبات التي تواجهها الدول الأوروبية في التعامل مع إدارته.
وتصدر كندا تقليديًا نحو ثلثي صادراتها عبر الحدود مع الولايات المتحدة، وكانت الدولتان لعقود ركيزتين أساسيتين للنظام الاقتصادي والاستراتيجي الغربي.
وتراهن إدارة ترامب على أن اعتماد البلدين المتبادل سيدفع كندا إلى العودة لطاولة المفاوضات وتقديم تنازلات بشروط أكثر ملاءمة للولايات المتحدة.
أما كارني فيراهن على الاتجاه المعاكس، أي أن المواجهة مع واشنطن قد تسمح لكندا بإعادة بناء علاقاتها مع أوروبا.
ونقلت “وول ستريت جورنال” عن الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، الذي يتواصل بصورة منتظمة مع كارني، قوله: “ألن يكون جميلًا أن تصبح كندا الدولة الـ28 في الاتحاد الأوروبي بدل أن تصبح الولاية الـ51 في الولايات المتحدة؟”.
وبعد وقت قصير من تولي كارني منصبه، بدأ فريقه دراسة النماذج التي يعتمدها الاتحاد الأوروبي مع دول غير أعضاء بشكل كامل، مثل بريطانيا والنرويج وسويسرا وجورجيا.
وحدد الفريق الكندي 36 مجالًا يمكن للدول التعاون فيها مع الاتحاد، بدءًا من تبادل المعلومات الاستخبارية وصولًا إلى التنسيق التنظيمي، وفحص المجالات التي يمكن فيها توسيع التعاون بين كندا وأوروبا.
لكن الأوروبيين لم يسارعوا في البداية إلى تبني الأفكار الكندية.
واستغرق الأمر أكثر من شهرين قبل أن تعيّن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مسؤولًا أوروبيًا مقابل المبعوث الكندي الخاص إلى أوروبا.
وكان عدد من القادة الأوروبيين، من بينهم رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ورئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر، قد أعربوا في البداية عن خشيتهم من أن يؤدي توثيق العلاقات مع كندا إلى إغضاب الولايات المتحدة.
لكن الصورة تغيرت لاحقًا.
وبحسب التقرير، دفع حدثان مزيدًا من القادة الأوروبيين إلى تبني الشعور بالإلحاح الذي يطرحه كارني: محاولة ترامب السيطرة على غرينلاند، وحربه مع إيران التي أثارت انتقادات حادة في أوروبا.
وواصل كارني اتصالاته مع قادة بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الفنلندي ستوب ورئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره، فيما بدأ بالتوازي التواصل مع قادة كانوا أقرب إلى ترامب، من بينهم ميلوني.
وبحلول الصيف، كانت كندا والاتحاد الأوروبي قد سرّعا الاتصالات بالفعل.
وخلال لقاء مع ماكرون في باريس، قبل وقت قصير من قمة مجموعة الدول الـ7 في إيفيان، أدرك الجانب الفرنسي مدى رغبة كارني في التحرك بسرعة.
ومع ذلك، لا يزال الطريق نحو شراكة أوروبية – كندية بهذا الحجم طويلًا وتواجهه عقبات كبيرة.
فكارني قد يدفع ثمنًا سياسيًا داخليًا إذا شعر الكنديون بكامل تبعات هذا التحول في الاتجاه.
وفي الوقت نفسه، يتعين على حكومته التعامل مع حركات انفصالية في ألبرتا وكيبيك، فيما قد يثير نقل بعض الصلاحيات أو التخلي عن جوانب من السيادة الوطنية لصالح علاقة أكثر التصاقًا بالاتحاد الأوروبي معارضة داخلية.
كما أن توثيق العلاقة مع السوق الأوروبية يأتي بكلفة.
فالدول التي تتمتع بإمكان وصول كامل إلى السوق المشتركة تشارك في ميزانية الاتحاد الأوروبي، وتستقبل عمالًا من دول أخرى، وتلتزم بالأنظمة واللوائح الأوروبية.
وفوق ذلك، فإن حتى العلاقة الوثيقة جدًا مع أوروبا لن تحل بسهولة المشكلة الأساسية لكندا، وهي الحجم الهائل لتجارتها مع الولايات المتحدة.
فالاقتصاد الأوروبي ينمو بنحو نصف وتيرة نمو الاقتصاد الأميركي، ما يجعل من الصعب على أوروبا أن تحل بالكامل محل السوق الأميركية بالنسبة إلى كندا.
وفي المقابل، توجد مخاوف أيضًا داخل أوروبا.
فبعض كبار المسؤولين الأوروبيين يشككون في إمكان تنفيذ طموحات كارني بالكامل.
ومن أبرز العقبات أن اتفاق التجارة القائم أصلًا بين كندا والاتحاد الأوروبي، والذي وُقع قبل نحو عقد، لم تصادق عليه حتى الآن 10 دول أوروبية.
كما يخشى الأوروبيون من أن تستخدم كندا الاتحاد الأوروبي كورقة تفاوضية في مواجهة واشنطن.
ويُعد هذا الأمر حساسًا خصوصًا بعد تجربة “بريكست”، إذ لا يستطيع الاتحاد منح كندا شروطًا سخية للغاية إلى درجة تدفع دولًا أخرى إلى التساؤل عن سبب عدم حصولها على ترتيبات مماثلة تسمح لها بالابتعاد عن الاتحاد.
ومع ذلك، بدأ بعض المسؤولين الأوروبيين ينظرون إلى كندا باعتبارها فرصة من نوع مختلف: اختبارًا لقدرة الاتحاد الأوروبي، المعروف بجهازه البيروقراطي المعقد، على تقديم نماذج أكثر مرونة للاندماج أمام دول ديمقراطية تشترك معه بالقيم وتبحث عن شركاء موثوقين.
ولا يقترح كارني في الوقت الحالي تحويل كندا إلى الدولة الـ28 في الاتحاد الأوروبي.
لكنه يختبر إمكان بناء نموذج يقترب عمليًا من هذا المستوى، من دون العضوية الكاملة.
ومن المتوقع أن يلقي كارني الخميس خطابًا أمام البرلمان الأوروبي يعرض فيه رؤيته لتعزيز العلاقات مع أوروبا.
وبعد ذلك، من المنتظر أن تعلن كندا والاتحاد الأوروبي تشكيل مجموعات عمل جديدة لمحاولة تحويل الأفكار المطروحة إلى مشاريع عملية.
وقال مسؤول كندي مشارك في المحادثات: “إنه تحول تكتوني يتم عبر مجموعات عمل وبيروقراطية. الأمر ليس مثيرًا جدًا، لكن تداعياته كبيرة للغاية”.
وبين رغبة كندا في تقليص اعتمادها على واشنطن، واستعداد أوروبي متزايد لاختبار نموذج جديد من الشراكة، تبدو العلاقة عبر الأطلسي أمام إعادة رسم هادئة قد تكون تداعياتها أكبر بكثير من شكلها البيروقراطي الحالي.




