
لم تعد أهمية السيطرة الإسرائيلية على مرتفع علي الطاهر محصورة بالأنفاق والتحصينات التي أعلنت إسرائيل تدميرها. فمع انتهاء الجزء الأساسي من العملية، بدأت تظهر الوظيفة السياسية الجديدة للمرتفع: ورقة ميدانية تريد تل أبيب حملها إلى طاولة المفاوضات مع لبنان.
ووفق تحليل نشره موقع “JNS” الإسرائيلي، باتت السيطرة على علي الطاهر تمنح إسرائيل “ورقة مادية وليست دبلوماسية فقط”، تسمح لها بفرض نقطة انطلاق جديدة في أي مفاوضات تتعلق بالانسحاب والترتيبات الأمنية في جنوب لبنان.
وينقل التقرير عن العقيد الإسرائيلي المتقاعد موشيه إلعاد أن أهمية شبكة علي الطاهر لا تكمن في كونها مجموعة أنفاق فحسب، بل في أنها كانت، بحسب الرواية الإسرائيلية، منظومة متكاملة تضم مراكز قيادة ومخازن وأماكن إقامة وقدرات مراقبة وتشغيل نيران.
ووصف إلعاد هذه الشبكة بأنها كانت بمثابة “منظومة تشغيل محلية” لحزب الله، تجمع المراقبة والقيادة والتخزين والاختباء وتشغيل النيران في قطاع واحد. وبحسب تقديره، فإن تدميرها يقلص حرية حركة الحزب في المنطقة ويصعّب عليه إعادة بناء وجود مماثل في المدى القريب.
لكن الضابط الإسرائيلي السابق أقر بأن العملية لا تعني القضاء على قدرة حزب الله الصاروخية أو المضادة للدروع في الجنوب، بل تضعف عمقه وحريته العملياتية في قطاع علي الطاهر تحديداً. وهي نقطة تكشف المبالغة في بعض الروايات الإسرائيلية التي حاولت تقديم تفجير الأنفاق بوصفه نهاية لقدرات الحزب في المنطقة.
الأهم أن إسرائيل تسعى إلى ترجمة هذا الإنجاز الميداني إلى شرط سياسي. فبدلاً من أن يكون الانسحاب الإسرائيلي نتيجة تلقائية لتدمير المنشآت، تريد تل أبيب ربطه بإثبات قدرة الجيش اللبناني على منع حزب الله من العودة إلى المرتفع وإعادة بناء بنيته العسكرية.
وبهذه المعادلة، يتحول الاحتلال نفسه إلى أداة تفاوض: تحتفظ إسرائيل بالأرض، ثم تطالب لبنان بتقديم ضمانات أمنية وعسكرية مقابل الانسحاب منها. وكلما طال بقاؤها في المرتفع، ازدادت قدرتها على فرض شروط تتجاوز علي الطاهر إلى مستقبل الانتشار العسكري في مناطق أخرى من الجنوب.
وتنسجم هذه المقاربة مع إعادة الانتشار الإسرائيلية الأخيرة، التي لا تتجه إلى إخلاء المنطقة، بل إلى تثبيت السيطرة عليها عبر نقاط مرتفعة والمراقبة والاستطلاع والنيران. فالهدف لم يعد إبقاء وحدات كبيرة داخل الأنفاق والمواقع، بل منع أي اقتراب منها والإمساك بالمحيط بأقل عدد ممكن من القوات.
وتحاول إسرائيل أيضاً استخدام المرتفع للضغط على الدولة اللبنانية. فهي تقول إن أي انسحاب يجب أن يرتبط بتقدم فعلي في حصر السلاح، فيما تتهم الجيش اللبناني بالتباطؤ في تفكيك بنية حزب الله. في المقابل، ترى الرواية اللبنانية أن استمرار الاحتلال والضربات يضعف قدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها ويمنح الحزب ذريعة للاحتفاظ بسلاحه.
وهنا تكمن وظيفة علي الطاهر الجديدة: لم يعد مجرد موقع عسكري جرى الاستيلاء عليه خلال مواجهة، بل أصبح رصيداً تفاوضياً تستخدمه إسرائيل لرفع ثمن انسحابها، وتعديل قواعد التسوية، وفرض وقائع ميدانية قبل أي جولة مقبلة من المفاوضات.
المعركة على المرتفع، إذاً، لم تنته بتفجير أنفاقه. لقد انتقلت من تحت الأرض إلى طاولة التفاوض، حيث تحاول إسرائيل تحويل السيطرة العسكرية المؤقتة إلى حق سياسي مشروط، وربط استعادة لبنان لأرضه بالتزامات تضع هي معاييرها وتقرر وحدها ما إذا كانت قد نُفذت.




