
في ظل تصاعد المخاوف من أعمال تخريب روسية محتملة وتداعيات أزمة المناخ، أطلقت الحكومة البريطانية حملة جديدة تدعو المواطنين إلى الاستعداد لحالات الطوارئ عبر تخزين الغذاء والمياه والأدوية والمستلزمات الأساسية التي تكفي لمدة 3 أيام، في خطوة أعادت إلى الواجهة ذكريات جائحة كورونا والقلق من انقطاع الإمدادات والخدمات الحيوية، وسط تشكيك بعض السكان في مدى فاعلية هذه الإرشادات عند وقوع كارثة فعلية.
وبحسب تقرير نشره موقع “القناة 12” الإسرائيلية، نقلًا عن صحيفة “الغارديان”، تهدف التوجيهات الحكومية، التي أُطلقت رسميًا يوم الخميس الماضي، إلى تجهيز الأسر لمواجهة مجموعة واسعة من حالات الطوارئ، في ظل تحذيرات من “الإرهاب المدعوم من الدولة” الذي قد تقف روسيا وراءه، فضلًا عن المخاوف المرتبطة بالتغير المناخي واحتمال تعرض البنى التحتية وسلاسل توريد السلع الأساسية لاضطرابات.
وتوصي الحكومة المواطنين بالاحتفاظ بمخزون منزلي من الأطعمة المعلبة والمواد الجافة والمياه المعبأة والأدوية، إلى جانب الشواحن المحمولة التي تتيح إعادة شحن الأجهزة الإلكترونية في حال انقطاع الكهرباء. وتشمل الاستعدادات التي يعتمدها بعض المواطنين أيضًا المصابيح اليدوية والبطاريات الاحتياطية، وحتى الاحتفاظ بكمية كافية من الوقود في السيارات.
ورغم أن الحملة الرسمية أُطلقت الأسبوع الماضي، فإن وزراء في الحكومة البريطانية كانوا يطرحون توصيات مشابهة منذ أشهر، فيما بدأ بعض المواطنين اتخاذ خطوات عملية لتجهيز منازلهم قبل الإعلان الرسمي عن الحملة.
وقال لورانس باريت، وهو من سكان بلدة هايث في مقاطعة هامبشاير، لصحيفة “الغارديان”، إنه بدأ بإضافة عدد من المنتجات إلى قائمة مشترياته الأسبوعية، بهدف بناء مخزون للطوارئ بصورة تدريجية.
وأوضح: “أضيف في كل عملية شراء أسبوعية بعض علب الطعام المعلب والمواد الغذائية الجافة، لكي أراكم مخزونًا مع مرور الوقت”. وتشمل مشترياته الفاصولياء المعلبة والحساء واليخنات باللحم والمعكرونة والأرز، إلى جانب شراء المياه المعبأة تدريجيًا، للوصول إلى كمية تكفي شخصين لمدة 3 أيام.
ولا تقتصر استعدادات باريت على الطعام والمياه، إذ يجهز أيضًا حقيبة إسعافات أولية وراديو يعمل بترددات FM بواسطة البطاريات ومصباحًا يدويًا. كما يحتفظ ببطارية محمولة احتياطية سبق أن استخدمها خلال رحلات التخييم، ويقول إنها قادرة على توفير طاقة كافية لشحن الهواتف وتشغيل التلفاز، وحتى مدفأة صغيرة مزودة بمروحة.
وباريت ليس الوحيد الذي بدأ الاستعداد. فماركو كاموري، المقيم في حي غرينيتش في لندن، قال إن عائلته بدأت بتخزين المعكرونة ومعجون الطماطم ومكعبات المرق والأطعمة المعلبة والمياه والأدوية، إضافة إلى ورق التواليت.
وأوضح: “نتذكر فترة كورونا”.
وتستعد عائلة كاموري أيضًا لاحتمالات أكثر خطورة. وبما أن لديها أقارب في أوروبا القارية، فإنها قد تغادر بريطانيا مؤقتًا إذا دخلت البلاد في حرب وبرزت مخاوف من هجمات مباشرة على لندن. كما يمكن أن تفكر في المغادرة إذا تعرضت البنى التحتية لانهيار كبير يهدد أماكن عمل أفراد العائلة.
وفي موازاة الاستعداد لاحتمال مغادرة البلاد، يجهز كاموري حلولًا لمواجهة سيناريو البقاء في المنزل من دون خدمات أساسية، وقال: “رغم أنني أعيش في لندن، فقد احتفظت ببعض الحطب في الجزء الخلفي من حديقتنا الصغيرة، تحسبًا لاضطرارنا إلى إشعال النار لغلي المياه”.
وأضاف أن العائلة تحتفظ أيضًا بشواحن محمولة تحرص على إبقائها مشحونة، ومصابيح يدوية يمكن شحنها عبر منفذ USB، وأعواد ثقاب وولاعات. كما تحرص على إبقاء خزان وقود السيارة ممتلئًا بأكثر من نصفه، رغم ارتفاع أسعار الوقود، وهي كمية تكفي لقطع نحو 480 كيلومترًا.
وتشكّل الذكريات المرتبطة بجائحة كورونا أحد أبرز العوامل التي تدفع بعض البريطانيين إلى الاستعداد المسبق، بعدما عاشوا تجربة النقص في المنتجات الأساسية واضطراب الإمدادات خلال فترات الإغلاق.
وقال باريت إنه بدأ تجهيز مخزونه قبل نحو أسبوعين، بعد أن صادف توصيات الحكومة عبر الإنترنت، وتذكر مواقف سابقة كان يمكن فيها لمخزون الطوارئ أن يساعده.
وأضاف أن الأيام التي سبقت الإغلاق الأول في بريطانيا عام 2020 والأيام الأولى التي تلته كانت مخيفة بصورة خاصة، بسبب النقص في السلع الأساسية داخل المتاجر.
وقال: “أعتقد أنني تحركت لأنني تذكرت مدى الرعب الذي شعرنا به في الأيام الأولى، مباشرة قبل الإغلاق الأول عام 2020 وبعده. هل تتذكرون كيف كنتم تذهبون إلى المتاجر، فتجدون أن المعكرونة وورق التواليت والأطعمة المعلبة قد اختفت؟”.
لكن التوصيات الحكومية لم تلقَ قبولًا لدى الجميع، إذ يرى بعض السكان أنها لا تقدم حلولًا حقيقية للمخاطر التي يُفترض أن تساعد المواطنين على مواجهتها.
وفي هذا السياق، قالت ديردري أوسوليفان، المقيمة في ليستر، لصحيفة “الغارديان”، إن الحملة أعادت إلى ذاكرتها الإرشادات التي تلقاها البريطانيون في سبعينيات القرن الماضي بشأن كيفية التصرف في حال وقوع هجوم نووي.
وأضافت: “هذه النصيحة السخيفة تعيدني إلى سبعينيات القرن الماضي. أتذكر أنهم طلبوا منا الاختباء تحت الطاولة في حال وقوع هجوم نووي. لم تكن لدي طاولة، لكنني نجوت بطريقة ما”.
واعتبرت أوسوليفان أن التوصيات الحالية لا توفر حماية كافية في حال وقوع كارثة حقيقية، متسائلة عن جدوى تخزين مستلزمات لا تكفي إلا لـ3 أيام إذا كان الخطر أكبر من ذلك.
وقالت: “إذا أصبحت مياه الشرب لدينا خطرة، فسأأمل أن يكون بالإمكان التنبؤ بذلك بدقة أكبر. وكذلك، إذا وقع نقص حاد في الغذاء، فمن المؤكد أننا سنعرف عنه قبل وقت أطول”.
كما شبّهت الحملة الحكومية بالمسلسل الساخر البريطاني “Yes, Minister”، الذي يتناول أساليب عمل الحكومة وكبار الموظفين، في إشارة إلى شكوكها في قدرة التوجيهات الرسمية على التعامل مع الأزمات الواقعية.
وتكشف هذه الاستعدادات عن تباين واضح بين مواطنين يسعون إلى تقليل اعتمادهم على الإمدادات والخدمات العامة في حالات الطوارئ، وآخرين يشككون في جدوى التخزين المنزلي إذا تحولت المخاطر المحتملة إلى أزمة واسعة النطاق، لتبقى قدرة السلطات على ضمان استمرارية الخدمات الحيوية عاملًا أساسيًا في تحديد مستوى الاستعداد الفعلي.



