
في قرار من 46 صفحة، وضعت الهيئة الاتهامية في بيروت ملف أموال لجنة مراقبة هيئات الضمان أمام محكمة الجنايات. واتهمت الهيئة بالإجماع وزير الاقتصاد السابق أمين سلام وشقيقه كريم سلام ومدقق الحسابات إيلي عبود وشركة UHY ANDY BRYAN، وأصدرت مذكرات إلقاء قبض بحق أمين وكريم وعبود. ويكشف القرار مسار التحقيقات في السحوبات والعقود والنفقات، كما يشرح الأساس القانوني الذي اعتُمد لاعتبار رسوم اللجنة أموالاً عامة. وهذه اتهامات وقرائن أحيلت إلى المحاكمة، وليست أحكام إدانة.
بدأ الملف بإخبار تقدم به النائب فريد البستاني في 20 آذار 2025، بصفته الشخصية ورئيساً للجنة الاقتصاد الوطني والتجارة والصناعة والتخطيط النيابية. وتناول الإخبار إدارة حسابات لجنة مراقبة هيئات الضمان خلال فترة شغور منصب رئيسها، وفتح حساب بالدولار إلى جانب الحساب بالليرة، وسحوبات قال مقدّم الإخبار إنها استُخدمت في نفقات لا تتصل بعمل اللجنة. ثم تقدمت الدولة اللبنانية بشكوى في الملف.
حسمت الهيئة في حيثياتها مسألة أساسية: رسوم الرقابة التي تُفرض قانوناً على شركات التأمين، وتُستوفى لتمويل أعمال اللجنة، أموال عامة مخصصة لوظيفة رقابية. لذلك، لا يحوّل وجودها في حساب مصرفي خاص دون خضوعها لقواعد الإنفاق العام، ولا تمنح صلاحية إدارة الحساب الوزير حق إنفاقها على حاجات مكتبه أو نفقاته الخاصة. واستند القرار إلى النظام الداخلي للجنة، الذي يفرض توقيعاً مشتركاً لتحريك الحساب، ويجيز لرئيس اللجنة وحده تسديد النفقات الثابتة والدورية ضمن الحدود المقررة.
وتتبّع القرار إفادات تحدثت عن سحوبات شهرية بلغت في مراحل ملياري ليرة وخمسين ألف دولار. وأشار إلى أن موظفين كانوا يوقّعون إيصالات داخل مقر اللجنة، فيما كان أمين سلام أو شقيقه كريم يتسلمان الأموال. كما استعرض إفادات قالت إن جزءاً من المبالغ ذهب إلى مصاريف مكتب الوزير، ومنها السيارة والمحروقات والسفر والإقامة وتجهيزات ورواتب ومكافآت لمعاونين ومستشارين. وورد في التحقيق أيضاً أن بعض المستفيدين قالوا إنهم لم يؤدوا عملاً للجنة، فيما لم تكن بعض النفقات مدعومة بفواتير.
أما تقرير التدقيق المحاسبي والمالي، فحدد مبالغ صُرفت خارج نطاق عمل اللجنة نقداً بقيمة 142,290 دولاراً و2.26 مليار ليرة، إضافة إلى تحويلات مالية بلغت 46,555 دولاراً و2.74 مليار ليرة. وهذه أرقام النفقات التي وصفها التقرير بأنها لا تتصل بعمل اللجنة، وليست حكماً نهائياً بأن كاملها اختُلس. وتوقف القرار كذلك عند إعادة 152,306 دولارات إلى حساب اللجنة في 5 آذار 2024. وقد قال أمين سلام إن المبلغ فائض من صندوق النثريات، فيما أدرجت الهيئة واقعة الإعادة ضمن قرائن أخرى تناولت نمط السحوبات وتوقيت إعادة الأموال.
وامتد التحقيق إلى العقود التي أُبرمت مع شركة Parker Randall الماليزية وSyatec ومكتب السباعي للمحاماة. وناقشت الهيئة ما ورد عن تجاوز أصول التلزيم واستدراج العروض، وعن الإصرار على بعض التعاقدات رغم وجود عروض أقل كلفة، إضافة إلى ضغوط قيل إنها رافقت إتمامها. واعتبرت أن هذه الوقائع، مع سائر المعطيات، توفر قرائن على توجيه التعاقد والإنفاق نحو منافع خاصة.
وفي توصيف دور كريم سلام، لم تقف الهيئة عند صفته كشقيق الوزير أو مستشار له. فقد اعتبرت أن المهام الفعلية التي أُسندت إليه في شؤون اللجنة، ومشاركته في سحب الأموال والتواصل مع المتعاقدين وتنفيذ التعليمات، تتيح بحث مسؤوليته بصفته قائماً بخدمة عامة، حتى مع عدم وجود عقد مكتوب أو أجر. واستندت أيضاً إلى بيانات عن إيداعات نقدية وتحويلات لم تُدعّم بتفسيرات موثقة كافية، وإلى عدم تقديم كشف حساب مصرفي في سويسرا طُلب منه.
وتناول القرار مشتريات عقارية أُدرجت ضمن قرائن الإثراء غير المشروع: شراء أمين سلام عقاراً بقيمة 162,300 دولار في آب 2024، من دون أن يظهر في حساباته المصرفية ما يبيّن تسديد ثمنه، وشراء كريم سلام قسماً من عقار في زقاق البلاط مقابل 500 ألف دولار. وضمّت الهيئة هذه الوقائع إلى ما ورد عن حركة الأموال والإيداعات النقدية، واعتبرت أن مجموعها يكفي في مرحلة الاتهام لإحالة شبهات الإثراء غير المشروع وتبييض الأموال إلى محكمة الجنايات. ولا يحسم القرار، في هذه المرحلة، مصدر ثمن كل عقار أو يقرر أن مبلغاً بعينه انتقل من حساب اللجنة إلى عملية شراء محددة.
أما إيلي عبود، فكان محور الشق المتعلق بالتدقيق في حسابات شركات التأمين. ولفت القرار إلى أن عبود يملك 99 في المئة من شركة UHY ANDY BRYAN التي تعاقدت مع اللجنة، وإلى أنه عرض نظام IFRS17 على شركات كان مكلفاً بتدقيقها، من خلال شركة ألفا أوميغا التي له مصلحة فيها. وناقشت الهيئة ملاحظات على اقتصار التدقيق على عينات محدودة وعدم إنجاز كامل الأعمال المطلوبة، رغم قبض الشركة أتعابها. وخلصت إلى أن هذه العناصر تكفي لاتهامه بالتماس منفعة خاصة عبر مهمة رسمية، حتى من دون ثبوت شراء الشركات للنظام أو دفعها مقابلاً له.
وفي المقابل، لم تجد الهيئة أدلة كافية لإسناد اختلاس أموال اللجنة أو تزوير المستندات إلى عبود والشركة، فصدّقت منع المحاكمة عنهما في هذه الأفعال. كما ردّت استئناف النيابة العامة المالية بشأن فادي تميم وأبقت منع المحاكمة عنه لعدم كفاية الأدلة التي تربطه بإدارة أموال اللجنة أو بعقودها. وأورد القرار أن تميم سبق أن حوكم في ملف منفصل مرتبط بشركة المشرق للتأمين، عن طلب 250 ألف دولار وقبض 100 ألف منها؛ لكنه اعتبر أن الحكم في تلك الواقعة لا يكفي وحده لإثبات مساهمته في جرائم الملف الحالي، من دون أدلة محددة تربطه بها.
وفصل القرار أيضاً بين التزوير واستعمال المستند المزور. فأعلن سقوط دعوى الحق العام عن أمين وكريم في شق استعمال المزور، تطبيقاً لقانون العفو العام رقم 70/2026 وقرار المجلس الدستوري رقم 12/2026، فيما بقيت تهمة التزوير نفسها ضمن الأفعال المحالة إلى المحاكمة.
وبإحالة الملف إلى محكمة جنايات بيروت، بات على المحكمة أن تنظر في الأدلة والدفوع وأن تحدد مسؤولية كل طرف. أما قرار الهيئة الاتهامية، فيرسم نطاق المحاكمة ويميّز بين اتهامات رأت أن قرائنها كافية للإحالة، وأفعال لم تجد فيها ما يكفي للملاحقة، من دون أن يحسم الإدانة النهائية.




