
كتبت جوانا فرحات في المركزية:
طغت التعليقات والمواقف التي انتشرت على خلفية الحكم الذي أصدرته المحكمة العسكرية بحق أكبر تاجر مخدرات في لبنان نوح زعيتر وقضى بإدانته في أربعة ملفات فقط والسجن شهراً واحداً عن عدد من الملفات الأخرى، وتبرئته من 40 ملفا، على باقي الملفات الساخنة في لبنان. واللافت أن التعليقات على القرار التي أشعلت صفحات التواصل الإجتماعي عبّرت عن مشاعر الغضب والاستياء، وسط تساؤلات متزايدة حول معايير العدالة وسقف المحاسبة في القضايا ذات الطابع الأمني والخطير.
الهجوم على القضاء نتيجة تجارب وأحكام صدرت على قاعدة التسييس، لكن هذه المرة الهجوم تُرجم في العالم الإفتراضي وطغى عليه الطابع الشعبي، ومن هنا يمكن أن نفهم كيف أن التعليقات والآراء لم تميز في طبيعة الملفات التي على أساسها جاء الحكم مخففا ولا يتجاوز الشهر الواحد وبين الملفات الجنائية التي سيمثل فيها زعيتر أمام القضاء في أيار المقبل. وعليه فإن الحكم النهائي على أداء القضاء، يبقى مرتبطًا بما ستؤول إليه الملفات الكبرى العالقة، والتي يُفترض أن تشكّل الاختبار الحقيقي لعدالة القضاء وهيبته.
موجة الجدل في الشارع اللبناني عموماً أخذت حيزاً مختلفا في الشارع السني، حيث ساد انطباع عام بأن الأحكام التي صدرت حتى الآن لا تتناسب مع حجم التهم المنسوبة إلى زعيتر، ولا مع تاريخه الطويل كمطلوب للقضاء في قضايا تتعلق بالمخدرات والسلاح وإطلاق النار. واعتبر كثيرون أن الاكتفاء بأحكام مخففة في بعض الملفات، مقابل إسقاط عدد كبير من القضايا بمرور الزمن، يشكل ضربة لثقة المواطنين بالقضاء، ويعزز الشعور بأن العدالة تُطبق بميزانين.
وعبّر ناشطون ومعلّقون من البيئة السنية عن سخطهم مما وصفوه بـ”الاستهانة بهيبة الدولة”، معتبرين أن التساهل في هذا النوع من القضايا ينعكس سلبًا على الأمن الاجتماعي، ويكرّس ثقافة الإفلات من العقاب. ورأى بعضهم أن المشكلة لا تكمن في حكم واحد بحد ذاته، بل في تراكم ملفات قضائية كبرى تُغلق أو تُجزّأ من دون حسم شامل، ما يطرح علامات استفهام حول فاعلية الملاحقة القضائية، ولا سيما أمام القضاء العسكري. في المقابل، تشدد مواقف سياسية على ضرورة انتظار الأحكام النهائية في ملفات الجنايات الكبرى قبل إصدار مواقف قاطعة، وتعتبر أن أي تدخل سياسي مباشر قد يُفسَّر على أنه ضغط على القضاء، وإن كانوا أقرّوا بأن الرأي العام محق في المطالبة بأحكام رادعة وواضحة.
وفي خضم الجدل الواسع الذي أثاره الحكم الصادر في بعض ملفات نوح زعيتر، ووسط موجة الاعتراض الشعبي والسياسي، يبرز موقف القضاء الذي يصرّ على أن القرار المتخذ جاء نتيجة مسار قانوني بحت، لا يخضع للاعتبارات السياسية أو لضغط الشارع، بل يستند إلى الوقائع المتوافرة والأدلة المثبتة في الملفات المعروضة.
مصادر قضائية تؤكد لـ”المركزية” أن الأحكام التي صدرت بحق زعيتر حتى الآن تتعلق بملفات محددة ذات طابع جنحي، وأن القضاء لا يمكنه الحكم إلا ضمن نطاق القضايا المحالة إليه والمستندات المتوافرة فيها. وتشير هذه المصادر إلى أن إسقاط عدد من الدعاوى جاء نتيجة سقوطها بمرور الزمن وفقًا لأحكام القانون، وليس نتيجة تساهل أو تدخلات خارجية. وبحسب الرؤية القضائية، فإن العدالة لا تُقاس بحجم السمعة أو الانطباعات العامة، بل بما تُظهره التحقيقات والمحاكمات، معتبرة أن أي حكم يصدر خارج هذا الإطار يشكّل مخالفة صريحة لمبدأ سيادة القانون.
وفي ما يتعلّق بالمقارنات التي تُطرح بين هذا الملف وملفات قضائية أخرى وتحديدا ملف الموقوفين الإسلاميين الذي عاد إلى الواجهة بعد صدور الحكم على زعيتر في ملفات ذات طابع جنحي، تشدد المصادر على أن لكل قضية خصوصيتها من حيث الوقائع والمسار والمرجعية المختصة، ولا يجوز إخضاعها لمقاييس موحّدة أو اعتبارات سياسية. كما أوضحت أن الملفات ذات الطابع الجنائي الأشد، والتي لا تزال قيد النظر، لم يُفصل بها بعد، وأن الأحكام النهائية فيها ستصدر تباعًا فور استكمال الإجراءات القانونية المطلوبة.
بالتوازي، تشير مصادر حقوقية لـ”المركزية” الى أن الاحتقان القائم في الشارع لا يعود إلى الحكم الذي صدر عن المحكمة العسكرية بحق نوح زعيتر في ملفات جنحية، بل في التأخير الطويل الذي أصاب العديد من الملفات على مدى سنوات، نتيجة ظروف أمنية وسياسية معروفة، ما أدى إلى سقوط بعض الدعاوى أو ضعف الأدلة، وهو أمر لا يمكن تحميله للقضاء الحالي وحده. وتحذر المصادر في الوقت نفسه من تحويل العدالة إلى رد فعل شعبوي. فاستقلالية القضاء، بحسب هذه المقاربة، تقتضي حماية القاضي من الحملات الإعلامية والسياسية، تمامًا كما مساءلته ضمن الأطر القانونية عند أي خطأ أو تقصير.
وفي ما يتصل بالقضاء العسكري، ترى المصادر القضائية أنه يتحمّل مسؤولياته ضمن صلاحياته القانونية، وأنه يتعرض في كثير من الأحيان لضغط مضاعف، كونه ينظر في قضايا ذات حساسية أمنية عالية.
وتختم المصادر بالتأكيد على أن القضاء يمارس صلاحياته ضمن مبدأ استقلال السلطة القضائية، وأن أي مراجعة أو اعتراض على الأحكام المتخذة يجب أن يتم عبر القنوات القانونية المتاحة، لا عبر الحملات الإعلامية أو الضغوط غير القضائية.
فهل يُثبت القضاء في الأحكام المرتقبة على زعيتر في ملفات جنائية سبق وجاهر بها أمام الإعلام استقلاليته أم يكون مدخلاً لتسريع إصدار قانون عفو عام وبالتالي إقفال عدد من الملفات وفي مقدمها ملف الموقوفين الإسلامين؟




