سلايدات

الجنوب ساحة اشتباك مرنة تُدار بالنار والتفاوض… أميركا تمنع الانزلاق لمواجهة شاملة؟

بين هدنة غير مكتملة ونار لا تنطفئ، يقف جنوب لبنان أمام مشهد شديد التعقيد، حيث لا تبدو الجبهة في حالة حرب مفتوحة بالمفهوم التقليدي، ولا في حالة استقرار فعلي بعد وقف إطلاق النار. فالوقائع الميدانية تشير إلى عمليات إسرائيلية متقطعة، وإعادة تموضع على الحواف، وضغط جوي واستخباري مستمر، مقابل محاولات لمنع تحويل أي تقدم تكتيكي إلى واقع ثابت على الأرض.

من هذه الزاوية، يقرأ الخبير العسكري العميد المتقاعد بهاء حلال، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، واقع الجنوب باعتباره ساحة اشتباك مرنة، لا احتلالاً كلاسيكياً واسعاً ولا سيطرة مستقرة لأي طرف، بل مساحة تُدار بالنار والضغط والتفاوض، وسط محاولة إسرائيلية لتحسين التموضع، وسعي المقاومة إلى منع تثبيت أي واقع جديد، فيما تعمل واشنطن على ضبط الإيقاع ومنع الانفجار الشامل.

وأوضح حلال، أن المعادلة القائمة منذ وقف إطلاق النار، بصيغته غير المكتملة عملياً، تشير إلى عدم وجود تقدم بري إسرائيلي واسع ومستمر داخل العمق اللبناني، بل تقتصر الوقائع الميدانية على نقاط مراقبة وتموضع حدودي متقدم، إلى جانب عمليات جوية واستخبارية متكررة واحتكاكات تكتيكية متقطعة.

وأشار، بالمقابل، إلى أنه لا توجد سيطرة برية إسرائيلية على القرى والمرتفعات الداخلية، معتبراً أن الوصف الأدق للواقع الحالي يتمثل بوجود تفوق ناري وجوي إسرائيلي يقابله ثبات أرضي لبناني غير متماسك خطياً، لكنه لا يزال قائماً.

وفي ما يتعلق بما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، أوضح حلال أن هذا النوع من الخطوط في العلوم العسكرية يُستخدم عادة كخط لضبط الاشتباك وليس كحدود سيادية، إذ يحدد مناطق الحركة وإطلاق النار والاشتباك، لكنه يبقى خطاً مرناً يتغير تبعاً للظروف الميدانية أكثر مما يكون مرسوماً وثابتاً على الأرض.

وحول الحديث عن اختراقات برية عميقة باتجاه زوطر والشقيف وجبل علي الطاهر، أكد أن أي اختراق واسع ومستدام كان سيظهر من خلال تبدل واضح في خطوط التماس وانتشار قوات ثابتة داخل البلدات وظهور تموضعات طويلة الأمد، مشيراً إلى أن ما حصل خلال المعارك كان عبارة عن محاولات للتقدم نحو جبل علي الطاهر، إلا أنها فشلت بعد تصدي المقاومة وسقوط عدد من الضباط والعسكريين الإسرائيليين.

وأضاف أن النمط المعروف في جنوب لبنان خلال السنوات الأخيرة يقوم على عمليات محدودة وتقدمات تكتيكية مؤقتة يعقبها انسحاب أو عدم تثبيت للمواقع، ما يجعل الحديث عن سيطرة إسرائيلية عميقة ومستقرة داخل هذه السلسلة الجغرافية أمراً غير دقيق، في حين أن الواقع هو اشتباك مستمر على الحواف والممرات أكثر منه اختراقاً بنيوياً ثابتاً.

وأوضح أن التركيز على مناطق الشقيف وعلي الطاهر وأرنون يعود إلى أهميتها العسكرية، كونها تشكل عقدة مراقبة ورؤية واسعة وتؤمن السيطرة على الحركة داخل الأودية، إضافة إلى أنها جزء من شبكة مرتفعات مترابطة تؤثر على الحركة الداخلية وخطوط الإمداد والإنذار المبكر، لافتاً إلى أن السيطرة على المرتفعات لا تعني تلقائياً السيطرة على الأرض ما لم يتوافر استقرار ميداني خلفها.

وعن الأنباء المتكررة بشأن تطويق مجموعات أو عناصر داخل بعض الجبال والمرتفعات، اعتبر حلال أن هذه التصريحات تدخل غالباً في إطار الحرب النفسية والإعلامية، إذ تهدف إلى إظهار التقدم والتفوق العملياتي، كما تُستخدم لتحسين شروط التفاوض وإرسال رسائل سياسية إلى واشنطن وسواها، فضلاً عن دورها في مخاطبة الداخل الإسرائيلي والإجابة عن التساؤلات المتعلقة بنتائج الحرب على الجبهة الشمالية.

وأشار إلى أن العديد من العمليات العسكرية في هذا النوع من الصراعات تُدار بمنطق مزدوج، فهي تسعى من جهة إلى تحسين المواقع التكتيكية ميدانياً، ومن جهة أخرى إلى تعزيز الموقع التفاوضي سياسياً، ما يفسر عدم تحول المكاسب العسكرية المحدودة إلى احتلال مستقر أو سيطرة دائمة على الأرض.

وفي ما يتعلق بما بات يُعرف بـ”المناطق التجريبية” أو النماذج الأمنية المرحلية، أوضح أن هذه الطروحات تقوم على نشر الجيش اللبناني وضبط السلاح مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي وإشراف دولي، إلا أنها تواجه رفضاً من الثنائي الشيعي لأنها قد تؤدي، وفق نظرهم، إلى تقسيم أمني وظيفي للجنوب وتحويل الانتشار المؤقت إلى واقع دائم يغيّر موازين الردع القائمة.

أما بشأن ما إذا كان الجيش الإسرائيلي قد عاد إلى ما وراء “الخط الأصفر”، فرأى أن توصيف ما يجري على أنه تراجع أو تقدم نهائي ليس دقيقاً، لأن ما يحصل عملياً هو إعادة تموضع وتبديل نقاط وانتشار ضمن خطوط اشتباك متحركة، بعضها يأتي نتيجة الضغوط الأميركية وبعضها الآخر يرتبط بالحسابات الميدانية.

وأضاف أن الحديث عن خطة إسرائيلية موحدة لعرقلة التفاهمات قد لا يكون دقيقاً، إلا أن إسرائيل تستخدم مجموعة من أدوات التأثير، أبرزها التصعيد المحدود والمتقطع، وتوسيع قواعد الاشتباك من دون الذهاب إلى حرب شاملة، إضافة إلى إدارة الرواية السياسية والإعلامية بما يخدم أهدافها التفاوضية أمام واشنطن وطهران في آن واحد.

وفي ملف الاغتيالات، اعتبر حلال أن هذا الخيار يبقى مطروحاً في إطار الصراعات المشابهة، حيث تستخدمه إسرائيل كوسيلة لإضعاف الخصم وإرباكه من دون الانزلاق إلى حرب واسعة، إلا أن اللجوء إليه يبقى مرتبطاً بحسابات الكلفة السياسية ومستوى التوتر الإقليمي، ولا سيما في ما يتعلق بإيران.

وختم بالقول إن جنوب لبنان يعيش اليوم حالة وسطية بين الحرب والهدنة، فلا هو منطقة احتلال إسرائيلي واسع، ولا منطقة سيطرة مطلقة لحزب الله، بل ساحة اشتباك مرنة تُدار بالدبابات والتجريف والتهجير والضغط العسكري من جهة، وبالحسابات السياسية والتفاوضية من جهة أخرى.

واعتبر أن إسرائيل تحاول تحسين تموضعها الميداني وتعزيز أوراقها التفاوضية، فيما تسعى المقاومة إلى منع تحويل أي تموضع إسرائيلي إلى واقع دائم على الأرض، بينما تعمل الولايات المتحدة على إدارة المسافة الفاصلة بين الطرفين ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة بعد وقف الحرب على إيران.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى