سلايدات

لبنان يرفع السقف في روما… لا تفاوض بلا جدول انسحاب إسرائيلي

تتجه جولة المحادثات المقبلة في روما بين لبنان وإسرائيل إلى اختبار حساس، بعدما كشفت معلومات إسرائيلية أن بيروت تعتزم طرح مطلب واضح: تحديد جدول زمني ملزم لانسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، في وقت تتمسك إسرائيل بأن أي انسحاب يبقى مشروطًا بنزع سلاح حزب الله وقدرة الجيش اللبناني على السيطرة الفعلية على المنطقة.

وبحسب تقرير للصحافية آنا برسكي في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، فإن لبنان يعتزم أن يطرح في المحادثات السياسية المقبلة في روما مطلب تحديد جدول زمني واضح لانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، كشرط للتقدم في الاتصالات السياسية بين إسرائيل ولبنان.

وقد يتحول هذا المطلب إلى نقطة اختبار مركزية في المسار السياسي المتطور بين لبنان وإسرائيل. فبيروت تريد ألا يبقى البحث في التسوية المستقبلية عند مستوى المبادئ فقط، بل أن يُلزم إسرائيل والولايات المتحدة بإدخال عنصر ملموس إلى العملية، سواء عبر تاريخ محدد أو آلية أو مراحل ملزمة لإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان.

ومن المتوقع أن تُعقد المحادثات في روما يومي 15 و16 تموز، بوساطة أميركية واستضافة إيطالية، على أن تكون الجولة السادسة من الاتصالات المباشرة بين إسرائيل ولبنان منذ استئناف القناة السياسية. وبحسب بيان وزارة الخارجية الإيطالية، ستُعقد المحادثات على مستوى السفراء. وكان وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني قد أعلن أن روما ستستضيف هذه الاتصالات، فيما أكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن الجولة المقبلة ستُعقد في إيطاليا، مشددًا على أن إسرائيل لا تملك طموحات إقليمية في لبنان.

ويرتبط المطلب الذي يُتوقع أن يطرحه لبنان بنقطة الضعف المركزية في الاتفاق الإطاري الذي تم التوصل إليه بوساطة أميركية. فعلى الرغم من أن الاتفاق يحدد مسارًا تدريجيًا يفترض أن يوسع الجيش اللبناني بموجبه انتشاره في جنوب البلاد، وأن يجري نزع سلاح حزب الله وتنظيمات مسلحة أخرى، إلا أنه لا يتضمن موعدًا نهائيًا ملزمًا لانسحاب إسرائيلي كامل.

وفي بيروت، يخشى المسؤولون أنه في غياب جدول زمني من هذا النوع، قد تتمكن إسرائيل من تحويل وجود الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان إلى وجود طويل الأمد وغير محدود زمنيًا. وبحسب جهات مطلعة على الملف، من المتوقع أن تقول لبنان للأميركيين والإسرائيليين إن الحكومة اللبنانية لن تتمكن من مواصلة التقدم في المسار السياسي، وبالتأكيد لن تستطيع البحث في تعميق العلاقات أو في ترتيبات مستقبلية مع إسرائيل، من دون التزام إسرائيلي أوضح بالانسحاب.

ولا يتبلور الموقف اللبناني في فراغ. ففي الأيام الأخيرة، عاد رئيس الحكومة نواف سلام وأكد أن هدف الاتصالات بالنسبة إلى لبنان هو انسحاب إسرائيلي كامل من أراضيه. وخلال لقاء مع وفد من نقابة الصحافيين اللبنانيين، قال سلام إن لبنان “يعرف تمامًا ماذا يريد من التفاوض: انسحاب إسرائيلي كامل”، مضيفًا أن بيروت لن تقبل استمرار وجود إسرائيلي “لا في 5 نقاط ولا في نقطتين”. وإلى جانب ذلك، وضع سلام مطالب إضافية، بينها الإفراج عن موقوفين، وحل قضايا حدودية عالقة، واستمرار دور اليونيفيل حتى في حال التوصل إلى اتفاق.

وفي موازاة ذلك، يحاول سلام تثبيت هذا المسار أيضًا في الساحة الداخلية اللبنانية. فهو يشدد على أن حصر السلاح بيد الدولة هو التزام لبناني داخلي يستند إلى اتفاق الطائف والقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن، وليس رضوخًا لضغط خارجي. ومن خلال ذلك، يسعى إلى تقديم المسار السياسي كجزء من محاولة إعادة السيادة الكاملة إلى الدولة اللبنانية، لا كخطوة مفروضة عليها من الخارج.

في المقابل، تعرض إسرائيل موقفًا أكثر تشددًا. فقد قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس مؤخرًا إن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان حتى لو مورست عليها ضغوط أميركية. وبحسبه، فإن العقيدة الأمنية الإسرائيلية تفرض وجودًا عملياتيًا “في جهة العدو”، من أجل حماية مستوطنات الشمال من داخل الأرض نفسها. وأوضح كاتس أنه ما دام حزب الله لم يُنزع سلاحه، فلن يغادر الجيش الإسرائيلي مناطق الأمن في جنوب لبنان.

ووسّع كاتس موقفه، قائلًا إن إسرائيل تطبق نموذجًا أمنيًا مشابهًا في لبنان وسوريا وقطاع غزة، يقوم على وجود عسكري داخل مناطق عازلة، من دون عودة سكان مدنيين ومن دون وجود مسلح معادٍ. ووفق تعبيره: “جنود في الداخل، مدنيون في الخارج”، وهي المقاربة التي يقول إنها تهدف إلى منع عودة العبوات والبنى التحتية المسلحة والهجمات ضد قوات الجيش الإسرائيلي.

كما بعث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو برسالة مشابهة خلال زيارته جنوب لبنان في نهاية حزيران، حين قال للمقاتلين إن إسرائيل لن تغادر جنوب لبنان ما دام حزب الله مسلحًا ويهدد مستوطنات الشمال. ويسيطر الجيش الإسرائيلي حاليًا على منطقة عازلة بعمق نحو 10 كيلومترات على امتداد الحدود، ينفذ في إطارها عمليات دهم وتدمير بنى تحتية ومنع عودة سكان إلى مناطق معينة.

وفي المرحلة الأولى من تنفيذ الاتفاق، يُفترض أن تنسحب إسرائيل من منطقتي “تجربة” في جنوب لبنان وتسلمهما إلى مسؤولية الجيش اللبناني. وتهدف هذه الخطوة إلى اختبار قدرة الجيش اللبناني على الدخول إلى المنطقة، ومنع عودة حزب الله، وترسيخ حضور فعّال للدولة. وإذا نجحت التجربة، فقد تشكل نموذجًا لنقل مناطق إضافية لاحقًا.

لكن في لبنان، يُنظر إلى التجارب الموضعية على أنها غير كافية، إذ ترى بيروت أن المطلوب منذ الآن هو آلية سياسية واضحة تحدد إلى أين يقود المسار ومتى.

وهنا تكمن نقطة الخلاف المركزية في المحادثات. فإسرائيل تريد إبقاء الانسحاب نتيجة لتطورات ميدانية، أي نزع سلاح حزب الله وإثبات قدرة الجيش اللبناني على السيطرة على الجنوب. أما لبنان، فيسعى إلى تحويل الانسحاب إلى التزام سياسي إسرائيلي، مع جدول زمني واضح، بما يسمح لسلام بأن يقدّم للرأي العام اللبناني إنجازًا عنوانه استعادة السيادة، لا القبول باستمرار الوجود الإسرائيلي.

ومن هنا تأتي حساسية المطلب الذي يُتوقع أن يحمله لبنان إلى روما. ففي بيروت، لا يُنظر إليه كمطلب مرتبط بالتواريخ فقط، بل كمحاولة لتحديد طبيعة المسار بأكمله. وبالنسبة إلى لبنان، فإن وضع جدول زمني للانسحاب هو شرط يتيح مواصلة البحث في ترتيبات أوسع. أما في إسرائيل، فيخشى المسؤولون أن يؤدي جدول كهذا إلى تقليص حرية حركة الجيش الإسرائيلي أمنيًا، وأن يحول الانسحاب إلى التزام غير مرتبط بما يجري على الأرض.

وسيحاول الأميركيون الجسر بين الموقفين. فهم يدعمون المطلب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله وتعزيز الجيش اللبناني، لكنهم يدركون أن من دون أفق فعلي لانسحاب إسرائيلي، سيصعب على سلام تسويق الاتفاق في بيروت كمسار يعزز سيادة لبنان، لا كقبول باستمرار سيطرة إسرائيلية في جنوب البلاد.

وفي الخلفية، تقف معارضة حزب الله لأصل الاتصالات بين إسرائيل ولبنان. فالحزب ليس جزءًا من المحادثات، لكنه العامل المركزي الذي تدور حوله التسوية كلها. ويحاول سلام السير بين خطين: تفادي مواجهة داخلية مباشرة مع حزب الله، وعدم التنازل في الوقت نفسه عن مبدأ أن السلاح في لبنان يجب أن يكون بيد الدولة وحدها.

لذلك، قد يستخدم سلام مطلب الانسحاب الإسرائيلي ضمن جدول زمني متفق عليه أيضًا في مواجهة حزب الله، بوصفه دليلًا على أن المسار السياسي يهدف إلى إعادة جنوب لبنان إلى سيطرة الدولة، لا إلى تثبيت وجود إسرائيلي في الأرض.

ومن المتوقع أن تتركز جولة روما على السؤال الذي يرافق المحادثات منذ بدايتها: هل يبقى الانسحاب الإسرائيلي من لبنان مسارًا مستقبليًا مشروطًا ومتدرجًا كما تريد إسرائيل، أم يُثبّت منذ الآن في جدول زمني واضح كما تستعد الحكومة اللبنانية للمطالبة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى