
في بلدٍ يقف على حافة الانهيار المالي، وتحيط به الملفات الأمنية والسياسية من كل جانب، يبدو أن حكومة نواف سلام اختارت أن تتعامل مع مسؤولياتها بمنطق الموظفين: دوامٌ ينتهي، وإجازةٌ تبدأ، حتى لو كان البلد نفسه لا يملك ترف الإجازة.
لبنان اليوم ليس في ظرف عادي يسمح لحكومته بأن تغلق أبوابها السياسية لمدة أسبوعين، فالجنوب تحت ضغط الاعتداءات والتهديدات، وملف النازحين يزداد تعقيداً، والمفاوضات والملفات الأمنية الداهمة تحتاج إلى قرارات ومتابعة يومية، فيما المواطن يعيش أزمات متراكمة تبدأ بالكهرباء والنفايات ولا تنتهي بالاقتصاد والأمن.
في مثل هذا الواقع، كان يفترض بالحكومة أن تعمل بجهد مضاعف، لا أن تبحث عن فرصة للراحة، كان المطلوب أن تتحول الساعات إلى أيام عمل مكثفة، وأن تجتمع اللجان والوزارات والجهات المعنية لمعالجة الملفات الأكثر إلحاحاً، لا أن تُرحّل القضايا إلى الشهر المقبل وكأن لبنان يعيش استقراراً يسمح بالتأجيل.
والسؤال هنا ليس عن حق الوزراء في إجازة شخصية، بل عن الأولويات والمسؤولية السياسية، عندما تكون الدولة أمام أزمة بهذا الحجم، يصبح واجب المسؤول أن يكون في موقعه، وأن يثبت أن السلطة ليست وظيفة إدارية من التاسعة إلى الخامسة، ولا منصباً ينتظر صاحبه انتهاء الدوام، ام ان وزراء حكومة سلام لا يزالون يعيشون في عقلية الموظف او مسؤول شركة.؟
والأكثر إثارة للاستغراب أن يأتي سفر وزيرة الساحة لورا الخازن للاستجمام في الخارج في عز موسم السياحة، فبدل أن تكون في حالة استنفار للعمل على إنقاذ الموسم، واستقطاب ما يمكن استقطابه من سياح، والتخفيف من تداعيات الظروف الأمنية والسياسية على القطاع، نراها تدير الظهر لكل مسؤولياتها الداهمة .
أي رسالة تريد الدولة أن توجهها إلى القطاع السياحي الذي يقاتل للبقاء؟ وأي صورة تريد أن تعطيها للمستثمرين والعاملين في الفنادق والمطاعم والمؤسسات السياحية الذين ينتظرون من الوزارة خطة طوارئ لا إجازة؟
المشكلة ليست في أسبوع إجازة بحد ذاته، بل في عقلية إدارة الدولة التي تتعامل مع الأزمات وكأنها ملفات يمكن وضعها على الرف حتى عودة الوزراء. لبنان ليس شركة يمكن تعليق أعمالها لأسبوعين، ولا المواطن موظفاً يستطيع أن يطلب من أزماته الانتظار حتى انتهاء العطلة.
من الجنوب إلى ملف النازحين، ومن الكهرباء إلى النفايات، ومن الاقتصاد إلى المفاوضات، هناك ملفات لا تحتمل التأجيل ولا تعرف العطلات الرسمية، وفي الدول التي تحترم مواطنيها، عندما تتراكم الأزمات بهذا الشكل، تتحول الحكومة إلى خلية عمل لا إلى مكتب مغلق.
ولعلّ أكثر ما يطرح علامات الاستفهام أن تأتي الإجازة الحكومية في وقت لا تزال فيه أزمة رئيس الحكومة مع وزير الدفاع عالقة، وهي أزمة تتصل مباشرة بعمل الحكومة وبآلية اتخاذ القرار داخلها، ومع ذلك جرى ترحيلها إلى ما بعد الإجازة، وكأن مرور الوقت يمكن أن يكون بديلاً عن الحسم السياسي والمؤسساتي.
فهل تراهن الحكومة على أن أسبوعين كفيلان بجعل اللبنانيين ينسون؟ أم أن فلسفة “خلّيها لبعدين” أصبحت جزءاً من إدارة الدولة، على أمل أن تهدأ الملفات من تلقاء نفسها، أو أن ينشغل الناس بأزمة جديدة فتُنسى الأزمة السابقة؟
المطلوب من حكومة نواف سلام أن تجيب اللبنانيين بوضوح: هل أنتم حكومة إدارة أزمات أم حكومة إدارة دوام؟ لأن اللبناني الذي يعيش تحت ضغط الانهيار والقلق الأمني لا يريد وزراء يتصرفون كموظفين ينتظرون انتهاء ساعات العمل، بل يريد رجال دولة يعرفون أن المسؤولية تبدأ تحديداً عندما تصبح الظروف صعبة.
أما أن تُرحّل الملفات إلى الشهر المقبل، فيما البلد يعيش على صفيح ساخن، فهذه ليست استراحة حكومية فحسب، بل استراحة من المسؤولية في الوقت الذي يحتاج فيه لبنان إلى حكومة في حالة استنفار دائم.




