
في ظل تصاعد التوتر الإقليمي، هاجم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إسرائيل واصفاً إياها بـ”منبع المشكلات في المنطقة”، محذراً من أن تبعات عدوانها تطال الشرق الأوسط بأسره. كما رفضت أنقرة مزاعم إسرائيلية “باطلة” تتهمها بتهديد أمن إسرائيل عبر نشر قوات في مطار عسكري في سوريا، مؤكدة أن هذه الادعاءات تهدف إلى “إضفاء الشرعية على الغارات الجوية غير القانونية” ضد سيادة سوريا.
في المقابل، صعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس من تهديداتهما بتوسيع العمليات في الضفة الغربية، وسط تصاعد الهجمات التي أسفرت عن سقوط شهداء وجرحى واعتقالات. ونقلت القناة 15 الإسرائيلية عن المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا وسفير الولايات المتحدة لدى تركيا، توم برّاك، قوله إن المنطقة كانت “على بعد خطوة واحدة من مواجهة عسكرية مباشرة بين تركيا وإسرائيل”، مضيفاً أن الضربات الإسرائيلية الأخيرة في سوريا تؤكد الحاجة إلى “آلية لفض النزاع تشمل إسرائيل وسوريا وتركيا، وهي ما نعمل عليها بجد”.
هذه التطورات المتلاحقة تعكس انتقال الأزمة من مستوى التصريحات والتهديدات إلى أجواء مواجهة إقليمية محتملة، مع محاولات متوازية لطرح آليات دبلوماسية لتفادي الانزلاق نحو صدام مباشر. فإلى أين ممكن ان تؤدي هذه المواجهات، خاصة في ظل تصاعد الدور التركي في المنطقة بمباركة أميركية؟
مدير مركز المشرق للدراسات الاستراتيجية الدكتور سامي نادر يقول لـ”المركزية” ان “العلاقة بين واشنطن وتركيا ممتازة، وتشكل نقطة تحوّل في السياسة الأميركية. في السابق كانت علاقة أردوغان بالإدارة الأميركية السابقة سيئة، أما اليوم فجيدة، إذ إن الرئيس الاميركي دونالد ترامب يميل إلى التعامل مع “الرجال الأقوياء” الذين يمكن الاتكال عليهم. وهذا يعكس تحوّلاً في العلاقة بين الإدارة الأميركية والقيادة التركية في عهد ترامب”.
ويوضح نادر أنّ “تركيا تلعب لعبة التوازنات بصفتها قوة إقليمية، فهي توازن بين إسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. فقد واجهت السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وحاول أردوغان الدخول إلى العالم العربي عبر القضية الفلسطينية منذ وصول حزب “العدالة والتنمية” إلى الحكم. كما شهدت العلاقة مع إسرائيل تحولاً من التعاون إلى التنافس، من دون أن تصل إلى مواجهة عسكرية مباشرة، بل بقيت مضبوطة الإيقاع وربما بغطاء أميركي.
واليوم، يسعى أردوغان إلى وقف النفوذ الإيراني، وكان لافتاً دعمه للرئيس السوري أحمد الشرع لكسر الجسر البري الذي بنته إيران لربط طهران بالمتوسط. ومع سقوط نظام بشار الأسد انكسر هذا الجسر، في إطار تلاقي مصالح تركية–إسرائيلية”.
ويضيف أنّ “تركيا جزء من الرباعي الذي يضم باكستان ومصر والسعودية، وهو محور يوازن بين إيران وإسرائيل، ويحظى بتغطية من ترامب الذي قال لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن الاستمرار بالسياسات الحالية سيضع إسرائيل في مواجهة مع العالم كله. وبالتالي، إذا أراد ترامب الاتكال على أردوغان للحد من النفوذ الإيراني، يمكنه ذلك. وقد رأينا كيف أسقط نظام الأسد بمباركة أميركية، واليوم يُطلب منه الضغط على حزب الله. إلا أنّ تركيا حريصة على التوازنات، فهي لا تضرب إيران لتقوي إسرائيل، بل تسعى إلى إضعاف الطرفين معاً، ما يجعل “التوازن” جوهر سياستها.
وعن الدور التركي في لبنان، يشير نادر إلى أنّ الفريق السنّي الذي دفع ثمن طغيان حزب الله بدأ يستعيد نشاطه نتيجة الدعم السعودي والتركي. وهنا يبرز التعويل على تركيا، خصوصاً مع الحديث عن طلب أميركي بإقفال الحدود اللبنانية وإضعاف حزب الله، وهو ما قد تستجيب له أنقرة، لكن ليس خدمة مجانية لإسرائيل. فتركيا قد تضبط حزب الله، لكنها لن تقدم هذه الخدمة لإسرائيل من دون مقابل. لذلك نرى أنّ حزب الله يحاول الانفتاح على سوريا، أي على تركيا، في محاولة للتفاهم ضد إسرائيل”.
أما في العراق، فيلفت نادر إلى أنّ “لتركيا دوراً مهماً يرتبط بمصالح مباشرة، خاصة في الجبال الشمالية الشرقية حيث يتم تدريب حزب العمال الكردستاني (PKK). ومن مصلحة أنقرة ضبط هذا الملف، كما أنّها طورت علاقتها مع كردستان العراق، ما يجعل ما يُطبّق في لبنان وسوريا قابلاً للتطبيق في العراق أيضاً من وجهة النظر التركية”.




