
في وقت تتسارع فيه الأعباء المعيشية على اللبنانيين، من ارتفاع أسعار المحروقات والطاقة إلى كلفة التعليم والطبابة والمواد الأساسية، تبدو القدرة الشرائية أمام مزيد من التآكل، فيما تغيب المعالجات الاقتصادية والاجتماعية القادرة على احتواء التداعيات. وبين ارتفاع عالمي في أسعار النفط وواقع داخلي مثقل بالأزمات، يجد المواطن نفسه أمام دوامة من الأسعار المتصاعدة، فيما لا تبدو السياسات الرسمية بمستوى التحديات.
وفي هذا السياق، يقرأ مدير المركز الاقتصادي والاجتماعي للدراسات الاستراتيجية الدكتور أحمد جابر عبر “لبنان ديبايت”المشهد الاقتصادي والاجتماعي، محذرًا من انعكاسات ارتفاع المحروقات على القطاعات الإنتاجية، ومن اتساع رقعة الفقر والبطالة، في ظل غياب رؤية واضحة لبناء الدولة ووضع سياسات قادرة على إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ورأى الدكتور أحمد جابر أن المشهد الاقتصادي والاجتماعي في لبنان يزداد صعوبة، في ظل غياب السياسات والإجراءات القادرة على مواجهة تداعيات ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية للمواطن.
وقال جابر ” للأسف، شاهدنا بالأمس القريب إعطاء الثقة للحكومة، في وقت كانت كل هذه المساءلة لا تحمل في طياتها أي معطى له علاقة بالمواطن، وبجوع المواطن وفقره، وبالفكر المعيشي للمواطن، وبالتآكل المستمر في قدرته الشرائية، أُعطيت الحكومة الثقة وكأن شيئًا لم يكن، وكأن هذه الحكومة قدمت للمواطن الكثير من الخدمات، وحسّنت قدرته الشرائية، وقدمت له التقديمات الصحية والاجتماعية وغير ذلك”.
وأضاف: “نحن أمام أزمة كبيرة جدًا، أسعار النفط ترتفع عالميًا، وهذا الارتفاع ينعكس مباشرة على أسعار المحروقات في لبنان، فيما تُضاف أعباء أخرى إلى كلفة المحروقات بهدف تأمين إيرادات لمواجهة الاستحقاقات، وفي المقابل، ترتفع أسعار المنتجات، وبالتالي تتآكل القدرة الشرائية للمواطنين بشكل أكبر”.
وأشار جابر إلى أن لبنان مقبل على مرحلة أكثر صعوبة، في ظل غياب السياسات المعالجة والإجراءات المطلوبة، وقال:”العالم مقبل على موجة من الصقيع، ولبنان معني بهذا الموضوع أيضًا. هذا الأمر يعني طلبًا إضافيًا على المحروقات ومشتقات النفط، ما قد يساهم بدوره في زيادة الأسعار”.
وأضاف: “لكن للأسف، لا حياة لمن تنادي، اليوم، ربطة الخبز ارتفعت بشكل كبير، وخلال يومين شهدنا ارتفاعًا إضافيًا في الأسعار، ولم نرَ أي تحرك جدي، لا من الناس ولا من الحكومة”.
ورأى أن حالة الاستكانة التي يعيشها الشارع اللبناني باتت لافتة، قائلًا: “في عام 2019، رأينا الناس تنزل إلى الشارع احتجاجًا على بضعة سنتات أضيفت إلى كلفة خدمة، وكان البلد يكاد ينقلب رأسًا على عقب، أما اليوم، فلا نشهد أي تحرك، وكأن الناس دُجّنت، أو كأنها ملت، فلا تحرك حكومي ولا تحرك شعبي مطلبي يرسم سياسات قادرة على معالجة هذه الظروف الصعبة التي نعيشها”.
ولفت إلى أن القطاعات الإنتاجية تعاني بدورها من تداعيات الأزمة، خصوصًا أن اللبنانيين دخلوا موسم المدارس وسط أعباء كبيرة، وقال: “القطاع الصناعي يعاني، والقطاع الزراعي يعاني، والناس دخلت إلى موسم المدارس، وشهدنا ارتفاعًا كبيرًا في أسعار الكتب والمستلزمات، لم تعد هناك قدرة لدى المواطن على تحمل هذه الأعباء”.
المحروقات تضرب القطاعات الإنتاجية
وحول تأثير ارتفاع أسعار المحروقات والنفط على الصناعة والزراعة وسائر القطاعات الإنتاجية، أكد جابر ارتفاع أسعار الطاقة وأسعار المواد، ينعكس على القطاع الصناعي بشكل كبير، وغدًا سنشهد مطالبة اليد العاملة بزيادة الأجور،كل هذه العوامل تساهم في تآكل القدرة التنافسية للقطاع الصناعي، والقطاع الزراعي، وسائر القطاعات المنتجة، كما تساهم في تآكل القدرة الشرائية للمواطن.
وأوضح أن ارتفاع المداخيل الاسمية لا يعني بالضرورة تحسنًا فعليًا في مستوى معيشة اللبناني، لأن التضخم وارتفاع الأسعار يلتهمان أي زيادة في المداخيل. وقال: “المداخيل أصبحت مستهلكة أمام التضخم وارتفاع الأسعار، وبالتالي لا قيمة حقيقية لها. وشهدنا أيضًا ارتفاع أسعار الكهرباء، مع أعباء إضافية باتت تستنزف راتب الموظف”.
وتابع متسائلًا: “أين حصة هذا الراتب من الاستهلاك؟ أين حصة الراتب من الطبابة؟ أين حصته من التعليم؟ وأين حصة الراتب من الحد الأدنى من العيش الكريم؟”.
وشدد على أن اللبناني اليوم “لا يطالب بالرفاهية”، بل يسعى إلى تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة، وقال: “لا نريد أن نتحدث عن الرفاهية. اللبناني لا يطالب بالرفاهية، ولا حتى بحد أدنى منها، وإنما يطالب بحد أدنى من العيش الكريم. وهذا الحد الأدنى بات اللبناني، ومعظم اللبنانيين، يفقدونه بسبب غياب السياسات”.
غياب الدولة يوسّع دائرة الفقر والبطالة
ورأى جابر أن الخروج من الأزمة لا يكون من خلال إجراءات ظرفية، بل عبر إعادة بناء مؤسسات الدولة ووضع سياسات اقتصادية واجتماعية واضحة.
وقال: “الحل هو التوجه نحو بناء الدولة، وبناء المؤسسات، ورسم السياسات، ووضع الاستراتيجيات والخطط التي يمكن من خلالها إنقاذ ما يمكن إنقاذه”.
وانتقد المشهد الذي شهده مجلس النواب أخيرًا، معتبرًا أنه لم يعكس حجم التحديات المقبلة، وقال: “المشهد الذي رأيناه قبل يومين أو ثلاثة في مجلس النواب كان مؤسفًا جدًا، لأن هذا المشهد لم يكن يراعي كيفية مواجهة المرحلة المقبلة بظروفها وتحدياتها الاقتصادية والاجتماعية”.
وحذر من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى توسع شريحة الفقر وما يرافقها من ارتفاع في معدلات البطالة، وقال: “شريحة الفقر تزيد، وما يتبعها أيضًا من بطالة يزيد”.
وأضاف أن الهجرة، التي لطالما شكلت متنفسًا للبنانيين في أوقات الأزمات، لم تعد حلًا متاحًا بالسهولة نفسها، موضحًا: “كنا نتحدث دائمًا عن الهجرة، لكن اليوم لم تعد الهجرة متاحة بسبب الظروف العالمية، فالدول اليوم كلها تعاني في اقتصاداتها، وبالتالي لم تعد هناك قدرة أو رغبة في استقبال مهاجرين بأعداد كبيرة”.
وختم جابر بالتحذير من أن غياب الهجرة كمتنفس اقتصادي واجتماعي قد يدفع المزيد من اللبنانيين إلى البطالة، قائلًا: “إذا لم تكن هناك هجرة، تتحول الأزمة إلى بطالة، والبطالة تساهم في زيادة نسب الفقر، الذي أصبح اليوم متعدد الأبعاد، ولم يعد مقتصرًا على نقص الدخل فقط، بل بات يطال مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والمعيشية للمواطن”.




