
بين راتب لا يكفي لتغطية أساسيات الحياة، وكلفة نقل تستنزف جزءًا متزايدًا من الدخل، وهجرة تدفع لبنان نحو تحولات ديمغرافية مقلقة، رسمت الأستاذة المحاضرة في الجامعة اللبنانية – معهد العلوم الاجتماعية، ومنسقة مختبر علم السكان في مركز أبحاث معهد العلوم الاجتماعية، د. سوزان منعم، صورة قاتمة للواقع المعيشي والاجتماعي الذي تواجهه الأسر اللبنانية، معتبرة أن تدني الأجور لم يعد مشكلة مالية فقط، بل بات ينعكس على بنية الأسرة وإنتاجية العامل وحتى التركيبة السكانية للبلاد.
وخلال مقابلة ضمن برنامج “3:15 إجتماع” عبر شاشة “RED TV”، اعتبرت منعم أن راتبًا بقيمة 316 دولارًا هو راتب منخفض جدًا ولا يكفي شخصًا مسؤولًا عن نفسه وعن أسرته، ولا سيما في ظل الارتفاع المستمر في الأسعار، مشيرة إلى أن بعض الأشخاص ينفد راتبهم في اليوم التالي لتقاضيه.
ولفتت إلى أن تدني الأجور يدفع شريحة من اللبنانيين إلى البحث عن أكثر من مصدر للدخل، فقالت إن هناك من يعمل في وظيفتين أو 3 وظائف، فيما تضطر الزوجة في بعض الحالات إلى مساعدة زوجها ماليًا، ويشارك الأولاد أيضًا في العمل لتأمين احتياجات الأسرة.
وأشارت منعم إلى دراسة تُظهر أن الأفراد يخسرون نحو 40% من قيمة رواتبهم، ما يزيد الضغط على القدرة الشرائية ويجعل إدارة النفقات اليومية أكثر صعوبة.
وتوقفت عند كلفة النقل بوصفها إحدى أبرز المشكلات التي تواجه العامل، في ظل ارتفاع سعر صفيحة البنزين، مشيرة إلى أن بعض الأشخاص باتوا يتشاركون السيارة لتخفيف الكلفة، فيما يقتطع آخرون جزءًا من راتبهم منذ البداية لتأمين ثمن البنزين والوصول إلى العمل قبل تخصيص المال لأي مصروف آخر.
وبحسب منعم، فإن الأزمة لا تتوقف عند حدود الدخل والإنفاق، بل تمتد إلى البنية السكانية للبنان، إذ اعتبرت أن الهجرة الناتجة عن تدهور الأوضاع المعيشية تتسبب بأزمة ديمغرافية كبيرة.
وأوضحت أن أعداد كبار السن تتزايد، محذرة من أن لبنان قد ينتقل تدريجيًا من مجتمع فتي إلى مجتمع أكثر شيخوخة، في حال استمرار الهجرة واتساع الفجوة بين الفئات العمرية.
ودعت منعم إلى وضع سياسات تضمن ملاءمة الرواتب مع الأزمات الاقتصادية التي يعيشها لبنان، مشددة على أن الظروف المعيشية للعامل تنعكس مباشرة على مستوى إنتاجيته وقدرته على الاستمرار في أداء عمله بكفاءة.
وفي توصيفها لأولويات الأسرة اللبنانية اليوم، قالت إن كثيرًا من الناس باتوا مضطرين، فور تقاضي الراتب، إلى ترتيب احتياجاتهم بين كهرباء الدولة والمولدات الخاصة والمياه والنقل والاستشفاء والمدارس والجامعات وحتى حليب الأطفال.
وتعكس هذه الصورة، وفق ما طرحته منعم، انتقال الأزمة في لبنان من مجرد تراجع في القدرة الشرائية إلى أزمة اجتماعية أوسع، تتداخل فيها الأجور المتدنية مع ضغوط العمل والهجرة وتبدل التركيبة السكانية، ما يجعل معالجة الملف المعيشي مرتبطة أيضًا بمستقبل المجتمع اللبناني نفسه.




