
في قراءة لمحادثات واشنطن التي أجراها رئيس الحكومة نواف سلام والوفد المرافق له، أكد الكاتب والمحلل السياسي علي حمادة أن الولايات المتحدة تتشدد في ما يتعلق بمطالبها من لبنان، مشيراً إلى أن هذا التشدد ظهر بوضوح خلال الاجتماعات التي عقدها سلام مع عدد من المسؤولين الأميركيين، وفي مقدمهم وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسنت.
وأكد حمادة أن هناك، بطبيعة الحال، طلبات ومطالب لبنانية من الإدارة الأميركية ومن إسرائيل، لكن في المقابل هناك تشدد أميركي واضح في ما يتعلق بالموجبات الملقاة على عاتق الدولة اللبنانية، ولا سيما على مستويين أساسيين، الأول سياسي وأمني، والثاني مالي ومصرفي.
ولفت إلى أن هذا الأمر ظهر من خلال البيان الصادر بعد لقاء الرئيس نواف سلام والوفد المرافق له مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، مشيراً إلى أن روبيو يجمع، بحكم موقعه، بين وزارة الخارجية وجزء أساسي من منظومة الأمن القومي الأميركي.
وأوضح أن الاجتماع الثاني مع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت كان مهماً أيضاً، باعتبار أن الخزانة الأميركية معنية بجزء أساسي من الملف المالي والمصرفي، إضافة إلى مكافحة تمويل الإرهاب وتجفيف منابعه، بما في ذلك الشبكات المرتبطة بحزب الله وإيران.
وشدد حمادة على أن وزير الخارجية الأميركي أظهر تشدداً واضحاً في ضرورة قيام لبنان بتنفيذ تعهداته والتزاماته الواردة في الاتفاق أو التفاهم القائم ضمن الاتفاق الإطاري الثلاثي، مشيراً إلى أن واشنطن تريد من لبنان أن يدرك أن هذا المسار هو، وفق الرؤية الأميركية، الطريق الوحيد نحو سلام دائم مع إسرائيل.
وتابع أن الولايات المتحدة لا تتحدث عن هدنة أو مجرد وقف لإطلاق النار، ولا عن اتفاقات مؤقتة للتهدئة، بل عن مسار يؤدي إلى اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل، وهذا هو الواضح من خلال الاجتماعات والمواقف التي صدرت في واشنطن.
وفي المقابل، أشار حمادة إلى أن المقاربة الأميركية تنطبق أيضاً على وزارة الخزانة، ولا سيما في ما يتعلق بتجفيف منابع تمويل حزب الله والنفوذ الإيراني في لبنان.
وقال إن الولايات المتحدة، بحسب البيان الصادر عن وزارة الخارجية، تقف إلى جانب لبنان ذي السيادة والخالي من نفوذ حزب الله وإيران، بمعنى أن الدعم الأميركي هو لهذا النوع من لبنان، وليس للبنان الذي يريد العودة إلى مرحلة ما قبل 7 تشرين الأول.
ولفت إلى أن المعادلة التي يطرحها لبنان، أي انسحاب إسرائيلي في مقابل حصر السلاح بيد الدولة، مقبولة من الولايات المتحدة، لكن المشكلة، بحسب المقاربة الأميركية، أن القيادة السياسية اللبنانية لم تضع حتى الآن هذه المقاربة، ولا سيما قرار حصر السلاح، موضع التنفيذ، رغم مرور نحو سنة ونصف السنة على اتخاذ هذا القرار.
وأكد أن هناك، في واشنطن، عتباً واضحاً على لبنان لجهة عدم تنفيذ التزاماته، مع وجود لوم أيضاً على الجانب الإسرائيلي بسبب التصعيد في الجنوب ورفع منسوب التدمير المنهجي في مناطق واسعة منه والإبقاء على حالة التوتر.
وأضاف أن الإسرائيليين ربما ينطلقون من اعتبار أن لبنان لا يتحرك إلا تحت الضغط، وأنه لا يقدم على خطوة إلا عندما يكون محشوراً ومزروكاً في الزاوية.
أما بالنسبة إلى اجتماع رئيس الحكومة مع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، فأكد حمادة أن الأولوية بالنسبة إلى الخزانة الأميركية هي اتخاذ إجراءات حاسمة لتعطيل الشبكات المالية المرتبطة بإيران وحزب الله في لبنان، وهي شبكات موجودة على مستويات عدة، وصولاً إلى بعض الجهات والمواقع الرسمية.
وشدد على أن استعادة الثقة بالقطاع المصرفي تمر عبر الإصلاحات المالية والمصرفية، وهي مقاربة أميركية موجودة منذ زمن ولم تتغير، ولا يبدو أن هناك أي تغيير عليها.
وفي ما يتعلق بالعقوبات، رأى حمادة أن العقوبات الأميركية على الشبكات المالية المرتبطة بتمويل حزب الله والنفوذ الإيراني في لبنان ستستمر، متوقعاً موجات متلاحقة من العقوبات تطال أشخاصاً وجهات ومؤسسات وشركات ورجال أعمال وسياسيين، وربما أشخاصاً مرتبطين بالإدارة الرسمية اللبنانية.
وأوضح أن المقاربة الأميركية تعتبر أن إصلاح النظام المالي الرسمي يشكل أيضاً جزءاً أساسياً من الآلية الكفيلة بقطع تمويل حزب الله والحد من النفوذ الإيراني في لبنان، وبالتالي فإن الإصلاحات لا تتعلق فقط باستعادة الثقة بالقطاع المصرفي وتشجيع العمل التجاري والاقتصادي والاستثمارات، وإنما تحمل أيضاً بعداً سياسياً يتعلق بإنهاء نفوذ حزب الله والنفوذ الإيراني في لبنان.
وفي هذا السياق، طرح حمادة سؤالاً حول القرض الحسن، قائلاً إن هذا الملف ما زال موضع تساؤل لدى العديد من المراقبين في لبنان، في ظل ما وصفه بنوع من التعامل الخجول من قبل الدولة اللبنانية معه.
وأشار إلى أن القرض الحسن يُنظر إليه أميركياً باعتباره وسيلة أساسية من وسائل تمويل حزب الله والنفوذ الإيراني في لبنان، وليس فقط مؤسسة تقدم مساعدات مادية لأبناء البيئة الحاضنة للحزب.
وختم حمادة بالتأكيد أن هناك الكثير من المتطلبات والمطلوب من الدولة اللبنانية من الجانب الأميركي، قائلاً إن لبنان يطلب، وهذا حقه، لكن في المقابل هناك التزامات على لبنان، وهذه الالتزامات لا تبدو حتى الآن واضحة على مستوى التنفيذ، وإنما تظهر بشكل أكبر في المواقف السياسية والإعلامية.
وختم بالقول إن المطلوب من لبنان هو “مزيد من الأفعال وأقل من الأقوال”.




