
تحوّلت عمليات التنقيب غير المشروع عن الذهب في جنوب مصر إلى مواجهات مسلّحة أودت بحياة ضابطين في الجيش المصري، وسط حملة عسكرية وأمنية واسعة أسفرت عن ضبط مئات الأشخاص ومصادرة أسلحة وذخائر ومعدات تنقيب، فيما تستعد القوات المسلحة لإطلاق مرحلة رابعة من عمليات “درع الجنوب”، في إطار مساعيها لإحكام السيطرة على المناطق الحدودية ومكافحة الأنشطة غير القانونية.
وفي التفاصيل، كشف المتحدث العسكري باسم القوات المسلحة المصرية، العقيد أركان حرب أحمد عتمان علي، خلال مؤتمر صحافي عقده الخميس، حصيلة المراحل الثلاث الأولى من حملة “درع الجنوب”، التي تستهدف شبكات التنقيب غير المشروع عن الذهب في الصحراء الشرقية، معلناً بدء المرحلة الرابعة السبت 7 تشرين الثاني 2026.
وأعلن المتحدث العسكري مقتل العقيد أحمد سمير، رئيس أركان حرس حدود المنطقة الجنوبية، والمقدم أحمد جودة، رئيس عمليات إحدى كتائب حرس الحدود العاملة في نطاق المنطقة الجنوبية العسكرية، خلال تبادل لإطلاق النار أثناء التصدي لعناصر مرتبطة بأنشطة التنقيب غير المشروع.
وأكد أن العمليات تهدف إلى فرض سيادة الدولة على أراضيها وحماية ثرواتها المعدنية، في ظل وجود مجموعات مسلّحة تنشط في بعض مناطق التنقيب، وتستخدم أسلحة غير مرخّصة.
وكشف المتحدث العسكري أن حصيلة العمليات شملت ضبط 151 مصرياً و540 أجنبياً، إلى جانب 6614 شخصاً سلّموا أنفسهم طوعاً، في إطار الإجراءات التي نفّذتها القوات المسلحة لملاحقة الأنشطة غير القانونية في المنطقة.
وشملت المضبوطات 73 جهازاً للكشف عن المعادن و433 مولّداً للطاقة، فضلاً عن آلاف الخيام والعشش والمنشآت المقامة في مناطق التنقيب، إضافة إلى أسلحة آلية وآلاف الطلقات والذخائر وقاذف من نوع “آر بي جي”.
وتعود إحدى المحطات الأساسية للحملة إلى 22 حزيران 2026، عندما أعلنت القوات المسلحة المصرية تنفيذ عملية أمنية موسّعة بالتعاون مع وزارة الداخلية، استهدفت بؤراً تستخدمها مجموعات وشبكات إجرامية في نطاق المنطقة الجنوبية العسكرية.
وبحسب البيان الرسمي الصادر آنذاك، لم تقتصر الأنشطة المستهدفة على التنقيب غير المشروع عن الذهب، بل شملت أيضاً الاتجار بالأسلحة والمخدرات والهجرة غير النظامية.
وأوضح المتحدث العسكري أن القوات وجّهت تحذيرات مسبقة إلى الموجودين في المناطق المستهدفة، وأقامت نقاط إغلاق على الطرق، بالتوازي مع التواصل مع شيوخ وعواقل القبائل، لإتاحة المجال أمام المعنيين لإنهاء أنشطتهم وتسليم أنفسهم.
وتأتي هذه الإجراءات في ظل تنامي المخاوف المرتبطة بأنشطة مجموعات تُعرف محلياً باسم “الدهابة”، وهو وصف يُطلق على العاملين في البحث عن الذهب بطرق غير مشروعة، سواء بصورة فردية وبمعدات محدودة، أو ضمن مجموعات تمتلك وسائل استخراج ونقل ومعالجة أكثر تطوراً.
ويخضع التنقيب عن الخامات المعدنية واستغلالها في مصر لنظام تراخيص تنظّمه قوانين الثروة المعدنية، وفي مقدّمها القانون رقم 198 لعام 2014 وتعديلاته بموجب القانون رقم 145 لعام 2019، فيما تؤكد هيئة الثروة المعدنية المصرية أهمية التراخيص والرقابة الفنية لتنظيم استغلال الموارد وحماية العاملين والبيئة.
وفي خلفية هذه التطورات، يبرز العامل الحدودي المرتبط بالحرب في السودان، المستمرة منذ نيسان 2023، وما رافقها من توسّع في شبكات تجارة الذهب وتهريبه.
وكان فريق خبراء تابع لمجلس الأمن الدولي قد وثّق، في تقرير صدر في كانون الثاني 2024، دور الذهب في تمويل أطراف النزاع السوداني، مشيراً إلى اتساع شبكات التهريب واستمرار تداول جزء كبير من الإنتاج خارج القنوات الرسمية.
كما أظهرت دراسة نشرها معهد “تشاتام هاوس” في آذار 2025، أعدّها الباحثان أحمد سليمان وسليمان بلدو، ارتباط تجارة الذهب السوداني بشبكات إقليمية تضم منتجين وتجاراً ووسطاء ومهرّبين، مع صعوبة تحديد حجم الذهب المتداول بصورة غير رسمية عبر الحدود، نتيجة غياب البيانات الدقيقة والشاملة.
وفي ما يتعلق بطبيعة المواجهات الأخيرة، أكد المتحدث العسكري المصري أن بعض مناطق التنقيب شهدت وجود عناصر مسلّحة وصراعات بين مجموعات تسعى إلى السيطرة على مواقع الذهب، ما أدّى إلى مواجهات مسلّحة.
وشدّد على أن العمليات العسكرية تُنفّذ داخل الحدود المصرية، نافياً استهداف المدنيين، ومشيراً إلى وجود تنسيق مع الجانب السوداني لتأمين الحدود.
وتبقى هذه المعطيات ضمن الرواية الرسمية المصرية المعلنة، في ظل عدم توافر معلومات مستقلة كافية للتحقق من جميع تفاصيل المواجهات الميدانية، كما أن أعداد الموقوفين والأشخاص الذين سلّموا أنفسهم لا تعني ثبوت إدانتهم بجرائم.
ومع اقتراب انطلاق المرحلة الرابعة من حملة “درع الجنوب”، السبت 7 تشرين الثاني، تتجه القوات المسلحة المصرية إلى مواصلة دوريات حرس الحدود والتنسيق بين الجهات المعنية لمنع عودة الأنشطة غير المشروعة إلى المناطق المستهدفة.
وتتداخل في هذا الملف تحديات تأمين الحدود وحماية الثروات المعدنية وتنظيم قطاع التعدين ومكافحة التهريب، في وقت قد ينتقل فيه الذهب المستخرج من مواقع غير مرخّصة عبر شبكات من الوسطاء قبل وصوله إلى الأسواق، ما يزيد صعوبة تعقّب مساراته والجهات المستفيدة منه.
وتبقى معالجة هذه الأنشطة مرتبطة أيضاً بمنع استغلال حاجة السكان إلى العمل في أنشطة غير قانونية قد تتحوّل إلى مصدر للمواجهات المسلحة والتلوث البيئي، بالتوازي مع الجهود المصرية الرامية إلى استعادة السيطرة على مناطق التنقيب وتنظيم استغلال مواردها الطبيعية.




