
تتصاعد المخاوف الأمنية في إسرائيل مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية المقررة في 27 تشرين الأول، بعدما حذّرت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من وجود “احتمال كبير” لتعرّض السكان المدنيين لهجوم، في ظل الغموض المحيط بالتطورات العسكرية على جبهتي لبنان وإيران، ما فتح الباب أمام تساؤلات بشأن إمكان تأجيل الانتخابات.
وبحسب تقرير للصحافي إيلي زيلبربرغ في صحيفة “إسرائيل هيوم”، يستعد الوزراء الإسرائيليون للتصويت عبر استفتاء هاتفي على تمديد “الوضع الخاص في الجبهة الداخلية” حتى 3 تشرين الثاني المقبل على الأقل، أي إلى ما بعد موعد الانتخابات المقررة في 27 تشرين الأول.
وجاء في الوثيقة التي وُزّعت على الوزراء قبل التصويت: “في ضوء حالة عدم اليقين بشأن تطورات الأوضاع، ولا سيما على جبهتي إيران ولبنان، ترى الجهات الأمنية أنه لا يزال هناك احتمال كبير لوقوع هجوم يستهدف السكان المدنيين”.
وأشارت الوثيقة إلى أن تمديد حالة الطوارئ الأمنية حتى 3 تشرين الثاني 2026، بما يشمل يوم انتخابات الكنيست الـ26، “ليس بالأمر البسيط”، في إشارة إلى التعقيدات التي قد تنشأ إذا استمر التهديد الأمني بالتزامن مع الاستحقاق الانتخابي.
ويتيح إعلان “الوضع الخاص في الجبهة الداخلية”، بموجب قانون الدفاع المدني الإسرائيلي، منح الجيش صلاحيات استثنائية لحماية السكان، تشمل إصدار أوامر بالبقاء داخل الملاجئ، وفرض قيود على المؤسسات التعليمية، واتخاذ تدابير مرتبطة بحماية الأرواح والممتلكات.
ويختلف هذا الوضع عن “وقت الهجوم”، وهو تصنيف قانوني يُطبّق خلال تعرض منطقة معينة لهجوم، ويستمر حتى مرور 24 ساعة على بدايته.
وتعود صلاحية إعلان الوضع الخاص إلى الحكومة الإسرائيلية، أو وزير الدفاع في حال عدم ممارسة الحكومة صلاحيتها، على أن يخضع القرار لرقابة لجنة الخارجية والأمن في الكنيست وفق المهل القانونية المحددة.
لكن السؤال الأبرز يبقى: هل يمكن أن تؤدي هذه الظروف إلى تأجيل الانتخابات؟
يوضح التقرير أن تأجيل الانتخابات في إسرائيل ليس قراراً تستطيع الحكومة اتخاذه منفردة، بل يتطلب إجراءات دستورية معقدة وشروطاً استثنائية.
فوفق المادة 9أ من القانون الأساسي للكنيست، لا يمكن تأجيل الانتخابات إلا بموجب قانون يقرّه البرلمان بأغلبية لا تقل عن 80 نائباً من أصل 120، وفي ظل ظروف استثنائية تمنع إجراء الانتخابات في موعدها.
كما يشترط القانون تحديد موعد جديد للاقتراع، وأن تكون مدة التأجيل محدودة بالقدر الذي تفرضه الظروف، ما يعني أن تمديد حالة الطوارئ لا يؤدي تلقائياً إلى إرجاء الانتخابات.
ونقل التقرير عن الباحثين غاي لوريا والدكتور آساف شابيرا تأكيدهما وجود فارق جوهري بين تقديم موعد الانتخابات وتأجيلها، لأن تمديد ولاية البرلمان قد يمسّ بصورة خطيرة بالمبدأ الديمقراطي.
واستعاد الباحثان موقف القاضي حشين الذي اعتبر أن البرلمان لا يمتلك، من حيث المبدأ، صلاحية تمديد ولايته بنفسه، لأن الشعب انتخبه لمدة 4 سنوات فقط، مع الإقرار بأن حالات الطوارئ الحقيقية قد تفرض معالجة استثنائية.
وتاريخياً، شهدت إسرائيل تأجيلاً واحداً للانتخابات البرلمانية، عقب اندلاع حرب تشرين الأول عام 1973. فقد تقرر تأجيل الانتخابات التي كانت مقررة في 30 تشرين الأول إلى 31 كانون الأول من العام نفسه، بموجب قانون أُقرّ بأغلبية 67 نائباً مقابل معارضة نائب واحد.
وفي موازاة هذه التطورات، تتزايد التكهنات بشأن احتمال تنفيذ ضربة عسكرية جديدة ضد إيران، رغم حساسية التوقيت الانتخابي في كل من إسرائيل والولايات المتحدة.
وفي مقال نشره الصحافي الإسرائيلي عميت سيغال، أشار إلى تصاعد النقاشات في واشنطن والقدس بشأن تحركات محتملة، معتبراً أن ما يجري لم يعد مجرد شائعات أو تكهنات عابرة.
ولفت إلى أن الإيرانيين لا يرغبون في التصعيد قبل الانتخابات الإسرائيلية، كما أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يريد التصعيد قبل الانتخابات الأميركية، لكنه طرح احتمال انطلاق مواجهة في أواخر تشرين الأول، يتبعها الحصول على موافقة الكونغرس، الذي لا يزال يسيطر عليه الجمهوريون، في أواخر كانون الأول، ضمن سيناريو قد يستهدف إسقاط النظام الإيراني.
وطرح سيغال احتمالاً آخر يتمثل في تنفيذ عملية عسكرية محدودة وسريعة تحقق إنجازاً مهماً، من دون التسبب بقفزة في أسعار الوقود أو الانجرار إلى جولة ثالثة من الحرب تنتهي من دون حسم واضح.
وبين التحذيرات من هجمات محتملة على المدنيين، واستمرار التوتر على جبهتي لبنان وإيران، واحتمالات التصعيد العسكري، تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة حساسة تجمع بين الاستعداد لمواجهة أمنية جديدة والحفاظ على موعد الانتخابات، فيما يبقى تأجيل الاستحقاق احتمالاً قانونياً استثنائياً، وليس قراراً محسومًا.




