سلايدات

“لا نعترف بمفاعيل قرار الدولة”… حزب الله يتحدى عون وسلام

لم يعد الخلاف بين حزب الله والدولة على قرار الحكومة الصادر في 2 آذار قابلاً للتوصيف كمجرد تباين سياسي. ففي تصريحه من مجلس النواب، وصف النائب حسن فضل الله القرار بأنّه “باطل”، وقال إن الحزب “لا يعترف بأي مفاعيل له على الأرض”. بهذا الكلام، يعلن الحزب رفضه تنفيذ قرار صادر عن مجلس الوزراء، ويضع قراره الخاص في مواجهة قرار المؤسسات الدستورية.

والقرار الحكومي واضح: حظر النشاطات الأمنية والعسكرية لحزب الله، وإلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة، وحصر عمله في المجال السياسي، انطلاقاً من تأكيد أن قرار الحرب والسلم يعود إلى الدولة وحدها. لكن فضل الله لم يعلن رفض القرار فحسب؛ بل قدّم له توصيفاً سياسياً وقانونياً مضاداً، واعتبره مخالفاً للدستور والميثاق، ومفروضاً بإملاءات خارجية. بذلك، لا يترك الحزب مجالاً للالتباس بشأن موقفه: القرار لا يلزمه، ولا يعترف بسلطة الدولة في فرضه.

وهنا يتجلى التحدي المباشر للرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. فهما على رأس مؤسسات أصدرت القرار، فيما يعلن حزب الله من قلب مجلس النواب أنّه لا وجود له على الأرض. ولا يغيّر من ذلك أن فضل الله لم يوجّه كلامه إليهما بالاسم في الفقرة التي رفض فيها القرار؛ فمضمون التصريح يضع رئاسة الجمهورية والحكومة أمام اختبار عملي: هل تبقى قرارات الدولة نافذة على الجميع، أم يستطيع طرف مسلح إسقاطها بإعلان عدم الاعتراف بها؟

وتتجاوز خطورة التصريح مسألة السلاح إلى تكريس شرعيتين متوازيتين. ففضل الله لا يكتفي بالقول إن الحزب يعارض قرار الحكومة، بل يقدّم “شرعية المقاومة” مصدراً مستقلاً للقرار الأمني والعسكري، ويعلن أنّ السيارة وحمولتها تعودان إلى الحزب، وأنّ المواد المضبوطة “قدرات” لمواجهة الاحتلال. كما يطالب بالإفراج عن الموقوفين واستعادة السيارة والحمولة. هكذا تصبح الدولة، وفق هذا المنطق، مطالبة بالتراجع أمام قرار اتُّخذ خارج مؤسساتها، وبالتعامل مع امتلاك الحزب للقدرات العسكرية كأمر لا يحق لها الاعتراض عليه.

أما تحذير السلطة من “مغبة” مواصلة إجراءاتها، والتلويح بأن الحزب لن يتساهل مع أي جهة تنفذ ما وصفه بالمطالب الأميركية، فيحوّل الخلاف إلى ضغط سياسي على الدولة وأجهزتها. فالمؤسسات الأمنية والقضائية مطالبة بتطبيق القانون، ولا يجوز وضعها موضع الاتهام لمجرد قيامها بواجبها. وربط أي إجراء رسمي بتنفيذ “إملاءات خارجية” يضيّق مساحة القرار الوطني، ويجعل كل خطوة للدولة في مواجهة السلاح موضع تهديد وتشكيك مسبق.

ويستند فضل الله إلى الاحتلال الإسرائيلي للدفاع عن حق الحزب في الاحتفاظ بقدراته واستخدامها، لكن وجود احتلال أو استمرار الاعتداءات لا يمنح أي جهة حقاً حصرياً في تقرير شكل المواجهة ووسائلها، ولا يلغي مسؤولية الدولة عن حماية اللبنانيين. فالدفاع عن الأرض قضية وطنية، لكن تحويلها إلى صلاحية عسكرية منفردة يعيد إنتاج المشكلة نفسها: جهة تقرر، والدولة تتحمل تبعات القرار، واللبنانيون يُدفعون إلى مواجهة لم يختاروها عبر مؤسساتهم.

ولا يقل تناقضاً أن يتحدث فضل الله عن الحوار والتلاقي، ثم يعلن في الوقت نفسه عدم الاعتراف بقرار الدولة، ويحذّرها من تنفيذ إجراءاتها. فالحوار لا يستقيم إذا كان أحد طرفيه يرفض مسبقاً مفاعيل قرارات الطرف الآخر، أو يضع المؤسسات أمام خيارين: التراجع أو مواجهة التصعيد. احترام الحوار يبدأ بالاعتراف بأن قرار الدولة يُناقش ويُعترض عليه عبر الأطر الدستورية، لا بإعلان إسقاطه على الأرض.

في المحصلة، لم يكن تصريح فضل الله دفاعاً عن موقف سياسي فحسب؛ بل إعلاناً بأن حزب الله يحتفظ لنفسه بحق تحديد ما يلتزم به من قرارات الدولة وما يرفضه. وهذا هو التحدي الأوضح لعون وسلام: إما أن تكون قرارات مجلس الوزراء ملزمة وتُنفّذ على الجميع، وإما أن يتحول رفض الحزب العلني لها إلى قاعدة تحكم العلاقة بين الدولة ومؤسساتها من جهة، والقوة المسلحة خارجها من جهة أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى