
بعد 3 سنوات من الحرب والإخلاء وتضرر سبل العيش، وفي وقت لا تزال فيه كريات شمونة تكافح لإعادة سكانها وإنعاش أعمالها التجارية، أعادت المدينة إنتاج مشهد سياسي مألوف: “الليكود” بقي الحزب الأكبر فيها بفارق واضح عن جميع منافسيه، فيما لم تتحول الاحتجاجات على طريقة التعامل مع الشمال والغضب من وضع المدينة إلى موجة تخلي واسعة عن حزب بنيامين نتنياهو.
وبحسب تقرير للصحافية باتيا جلعادي في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، فإن عددًا من سكان كريات شمونة الذين شاركوا بأنفسهم في الاحتجاجات يقولون إن انتقاد الحكومة والاستمرار في دعم نتنياهو لا يتناقضان بالنسبة إليهم.
لكن نتائج الاقتراع أشعلت في المقابل موجة تعليقات قاسية على شبكات التواصل الاجتماعي ضد سكان المدينة، بينها دعوات تقول: “لا تدخلوا المدينة ولا تشتروا منها حتى زجاجة ماء”، و”لن نقاتل من أجلهم”.
وفي مدينة لا تزال تحاول التعافي من آثار الحرب، أثارت هذه الدعوات غضبًا واسعًا، فيما يطالب السكان الذين تحدثوا للصحيفة بفهم دوافع تصويتهم، ويسألون في الوقت نفسه كيف تحولت الخلافات السياسية إلى دعوات لمقاطعتهم.
وبحسب البيانات المتاحة حتى الآن، وقبل فرز المظاريف المزدوجة، حصل “الليكود” في كريات شمونة على 48.02% من الأصوات، مقابل 49.47% في الانتخابات السابقة.
ورغم تراجع نسبة التأييد بمقدار 1.45 نقطة مئوية، ارتفع فعليًا عدد الأصوات التي حصل عليها الحزب إلى 5,887 صوتًا مقابل 5,569 في الانتخابات السابقة، أي بزيادة 318 صوتًا وبنحو 5.7%، قبل استكمال عملية الفرز.
وجاء حزب “يشار مع آيزنكوت” في المرتبة الثانية بنسبة 10.65%، يليه “عوتسما يهوديت” بـ9.52%، و”إسرائيل بيتنا” بـ6.66%، و”شاس” بـ5.94%، و”الصهيونية الدينية” بـ5.02%.
أما حزب “بياحد” برئاسة نفتالي بينيت فحصل على 4.79%، و”جنود الاحتياط” على 3.03%، و”عمخا” على 2.36%.
وفي الانتخابات السابقة، كانت “الصهيونية الدينية” قد حصلت على 13.67%، و”شاس” على 11%.
وتقول شيران أوحيون، وهي من أبرز الناشطات في احتجاجات المدينة، إنها ترفض تحويل خيار التصويت إلى اختبار لمدى استحقاق السكان للتضامن.
وقالت: “عندما يصرخون ديمقراطية، وعندما يقولون إننا جميعًا سننتصر معًا، فهذا لا يعني أن علينا جميعًا أن نملك الرأي نفسه”.
وأضافت: “لا يهمني من أي اتجاه أنت، أو ماذا تفكر، أو لمن صوّت. بالنسبة إليّ نحن جميعًا إخوة فعلًا”.
وترى أوحيون أنه لفهم خيار سكان المدينة يجب أولًا فهم الواقع الذي يعيشونه.
وقالت: “من يعيش على الحدود الشمالية لا يملك حاليًا الوقت أو الترف للتفكير في أمور أخرى غير الأمن. نحن نسمع هنا فعلًا قتال الجيش الإسرائيلي وعملياته كل يوم”.
وبالنسبة إليها، فإن العمل العسكري لم ينته بعد، والخشية من تغيير السياسة الأمنية تتقدم على اعتبارات أخرى.
وقالت: “من يعيش هنا يفهم أن العملية لم تنته بعد، ولا يمكننا إيقافها في منتصف الطريق. لا أحد سيعرّض حياته فعلًا للخطر”.
وحذرت أوحيون من أنه إذا رفع سكان المدينة أيديهم وغادروا، فإن الخطر سيقترب أيضًا من أولئك الذين يعيشون اليوم بعيدًا من الحدود.
وقالت: “نحن فعلًا نتمسك بهذه الأرض”.
وطلبت ممن يدعون إلى مقاطعة المدينة أن يفهموا أن استمرار الحياة في كريات شمونة هو أيضًا جزء من حماية أمنهم وروتين حياتهم.
وفي الوقت نفسه، لا تتراجع أوحيون عن الانتقادات التي وجهتها خلال الحرب.
وقالت: “أنا أول من انتقد”.
لكنها ترى أن انتقاد الحكومة لا يعني التخلي عن مواقفها الأمنية، وبالتأكيد لا يبرر مقاطعة المدينة وسكانها.
وتساءلت: “إلغاء مجتمع كامل؟”.
وأضافت أنها صادفت حتى تصريحات تدعو إلى عدم استضافة سكان المدينة إذا حصل إخلاء جديد.
وقالت: “لدي أصدقاء من جميع الأحزاب. أحبهم ونحن جميعًا أصدقاء فعلًا. فعلى ماذا؟ بسبب الآراء؟ هل يتم إلغاؤنا هكذا؟”.
وخلف هذا الغضب، تشير أوحيون إلى شعور عميق بالإرهاق لدى من بقوا في المدينة.
وقالت: “لا نملك أصلًا ترف التفكير في الثقافة أو التعليم أو الطب. نحن منشغلون فقط بالبقاء هنا”.
وبرأيها، فإن الدعوات إلى الامتناع عن الشراء من كريات شمونة تضرب أشخاصًا يعانون أصلًا في سبيل كسب رزقهم والاستمرار.
ويوجَّه جزء كبير من انتقاداتها إلى القيادة المحلية.
وتقول أوحيون إن المدينة حصلت على موافقة لموازنات بحجم يقارب مليار شيكل، لكنها ترى أن البلدية لم تستعد بالشكل المطلوب للاستفادة منها وتقديم الخطط اللازمة.
وقالت: “لا يمكن تحميل الحكومة مسؤولية كل شيء”.
وأضافت: “هناك انتقادات وهناك الكثير مما يجب فعله في الشمال، لكن لا يوجد من يعمل هنا. القيادة المحلية أيضًا يجب أن تجري مراجعة لنفسها”.
بدورها، تقول عينات دردري، وهي من سكان كريات شمونة وصاحبة عمل ومن أبرز الناشطات في احتجاجات أصحاب المصالح التجارية في المدينة، إنها صوّتت لنتنياهو رغم انتقاداتها للحكومة.
وقالت: “مررنا بـ3 سنوات مضطربة إلى حد كبير، لكنني كسكان المدينة أقدّر الحكومة. لا أنسى أنهم اهتموا بإخلائنا، واهتموا بمنحنا مساعدات خلال الحرب”.
وأضافت: “عندما يكون لدي انتقاد للحكومة أعرف أيضًا كيف أقوله، لكن في نهاية المطاف الحكومة كانت معنا في أكثر اللحظات تحديًا ومدّت لنا يدًا”.
وبحسب دردري، ضخت الحكومة ملايين الشواكل لإعادة تأهيل المدينة، وهي تعتقد أنها ستواصل مساعدة الشمال.
والاعتبار الأمني كان حاسمًا أيضًا في قرارها.
وقالت: “من الناحية الأمنية، ما فعله رئيس الحكومة هنا لم يكن أحد سيفعله ولن يفعله أحد أيضًا”.
وأضافت: “أنا كسكان المدينة أسمع الجيش الإسرائيلي طوال اليوم يهاجم في لبنان. أثق برئيس حكومتنا وبجيشنا بأنهما سيواصلان العمل كما يجب”.
وتصف دردري ردود الفعل ضد سكان المدينة بأنها “تنمر على الإنترنت”.
وقالت: “أرى كل السخرية والإهانات ضد سكان المدينة وأنا مصدومة. من حقنا أن نشكو بعد كل ما مررنا به، ومن حقنا في الوقت نفسه أن نثق برئيس حكومتنا”.
وأضافت: “لا يحق لأحد إهانة سكان كريات شمونة. لكل إنسان الحق في التفكير واختيار من يراه مناسبًا”.
وفي المقابل، طلبت دردري التذكير أيضًا بمن يتعاملون بصورة مختلفة.
وقالت: “هناك الكثير من الأشخاص الطيبين والداعمين الذين يفهموننا ويريدون دعم أعمال الشمال وتقويتها، وهذا يؤثر فيّ كثيرًا وأنا أقدّره. هذا هو شعبنا الجميل”.
أما هرتسل بن آشر، الإعلامي المخضرم ومن سكان كريات شمونة، فلم يفاجأ بالنتائج.
وكان قد توقع قبل الانتخابات أن يحافظ “الليكود” على قوته في المدينة.
ويرى بن آشر أن المظاريف المزدوجة قد تغير الصورة وتزيد النسب، من بين أسباب ذلك تصويت سكان لم يعودوا إلى المدينة بعد، لكنه شدد على أن ذلك مجرد تقدير شخصي وأن الفرز لم يكن قد اكتمل.
وعندما سُئل إن كان قد صوّت لـ”الليكود”، أجاب: “بالطبع”.
ويشرح خياره بأنه يفضّل الخبرة والأداء اللذين ينسبهما إلى نتنياهو على البدائل المطروحة.
وقال: “إذا نظرت من اليوم إلى الأمام، فالبدائل المعروضة عليّ أقل جودة”.
ولا يقنعه غادي آيزنكوت.
ويرى بن آشر فيه مرشحًا يفتقر إلى الخبرة السياسية الكافية، ويشكك في قدرته على مواجهة ضغوط شركائه ومستشاريه.
وقال: “بالنسبة إليّ آيزنكوت مثل دمية الماتريوشكا الروسية”، في إشارة إلى وجود طبقات من الأشخاص حوله تدفعه في اتجاهات مختلفة.
وأضاف: “الآن سنراه في الاختبار الأول، تشكيل ائتلاف”.
كما لم يكن التصويت لنفتالي بينيت خيارًا مطروحًا لديه.
ويقول بن آشر إنه لم يسامحه على تشكيل حكومة مع “راعام” بعد الوعود التي قطعها لناخبيه.
وبرأيه، المسألة ترتبط بالصدقية أكثر مما ترتبط بالخلاف السياسي.
وقال: “هناك قواعد لعب صارمة لا يمكن التخلي عنها. إحداها الصدقية”.
وأضاف: “كيف يمكنني أن أثق بشخص كهذا؟”.
وعندما سُئل عما إذا كان وضع كريات شمونة ليس نتيجة لسياسات نتنياهو، أجاب بحزم: “أعتقد أن وضع كريات شمونة أفضل بسبب سياسة نتنياهو”.
ويصف بن آشر الحياة قبل الحرب بأنها كانت حياة إلى جانب تهديد خطير، من دون أن ينعكس ذلك بالكامل على الروتين اليومي.
ويرى أن الضربات التي تعرض لها حزب الله واستشهاد أمينه العام حسن نصرالله واستمرار العمليات العسكرية في لبنان تمثل تحولًا جذريًا إلى الأفضل.
وقال: “لا أذكر فترة من الهدوء والأمن كهذه”.
لكنه أضاف أنه لا يستبعد إمكان حصول إطلاق نار أو تسلل محدود، بل يميز بين أحداث كهذه وبين التهديد الواسع الذي كان قائمًا في السابق.
وعند الانتقال من الأمن إلى الاقتصاد، تصبح الصورة أكثر تعقيدًا.
ويشرح بن آشر أن الأعمال التجارية في المدينة أُنشئت لخدمة عدد من السكان أكبر من العدد الموجود فيها اليوم.
وقال: “عندما تبني منظومة يكون جمهورها المستهدف 25 ألف نسمة، تتفرع منها كل الخدمات وكل المتاجر وكل المقاهي”.
ولا يحمل نتنياهو مسؤولية عدم عودة عدد كبير من السكان حتى الآن.
وقال: “الناس لم يعودوا لأسباب شخصية. أنا لا أعطيهم علامات ولا أحكم عليهم”.
وأشار إلى وجود كبار في السن اختاروا السكن بالقرب من أولادهم، فيما اكتشفت عائلات شابة خلال الإخلاء خدمات مختلفة وقررت البقاء في الأماكن التي انتقلت إليها.
وقال: “هناك الأزواج الشباب الذين اكتشفوا فجأة مستوى تعليميًا أفضل وخدمات طبية”.
وأضاف أن بعضهم شعر بأن “أعيننا قد انفتحت”.
وبحسب التقرير، فإن هذا الوصف يسلط الضوء أيضًا على الفجوات التي كانت موجودة داخل المدينة قبل الحرب، وعلى صعوبة إعادة عائلات بنت لنفسها بالفعل نمط حياة مختلفًا.
ومثل أوحيون، يوجه بن آشر انتقادات قاسية إلى القيادة المحلية في ملف الموازنات.
ويقول إن نائب رئيس البلدية أعلن علنًا أن المدينة تلقت أكثر من مليار شيكل.
لكن بن آشر يتهم البلدية بعدم إعداد الخطط اللازمة في الوقت المناسب للاستفادة من الموارد المخصصة لإعادة الإعمار.
وقال: “لا يمكن أن تتوقعي أن تمنح دولة إسرائيل المال من دون أي خطة. هكذا تسير الأمور”.
وأضاف أنه طالب رئيس البلدية منذ بداية الحرب بالاستعداد.
وقال له: “اجمع فرقك، وشكّل لجانًا ومجموعات تفكير وتخطيط، وكن جاهزًا بخطط للتنفيذ في كل مجالات حياتنا، سواء في التعليم أو جودة الحياة أو الطرق”.
ورغم هذا الانتقاد، يرى بن آشر أن المساعدات التي قُدمت للنازحين تمثل سببًا لتقدير الحكومة.
وقال: “حصل الناس على مبالغ ليتمكنوا من العيش، وحصلوا على فنادق ليجدوا مكانًا يضعون فيه رؤوسهم. هذا ليس أمرًا مفروغًا منه”.
وبرأيه، يعكس التصويت لـ”الليكود” أيضًا اعترافًا بهذه المساعدات.
ويشير التقرير إلى أن مواقف بن آشر الحالية بعيدة من المكان الذي بدأ منه مسيرته السياسية.
فقد كان رئيس حزب “العمل” في كريات شمونة خلال مرحلة اتفاقات أوسلو.
ويقول إن تحوله السياسي جاء نتيجة الفجوة التي شاهدها بين الآمال بالسلام والتربية على الحياة المشتركة وبين الرسائل والأفعال التي رآها لدى الجانب الفلسطيني.
وقال عن قراره الابتعاد عن المعسكر الذي عمل فيه: “قد أكون ساذجًا، لكنني لست غبيًا”.
وفي مواجهة دعوات مقاطعة سكان مدينته، يشدد بن آشر على الحق في الاختيار السياسي المختلف.
وقال: “لا يعقل أن يتحدث الناس بهذا الأسلوب المتدني عن سكان كل ذنبهم أنهم يؤيدون رئيس حكومة وحزبًا لا يعجبان المنتقدين”.
وأضاف: “فقط بسبب الرأي السياسي”.
ويرى أن هذه الردود تحمل أيضًا قدرًا من التعالي والأبوية.
ووصف الرسالة التي يسمعها فيها بالقول: “أنا سأقول لك ما هو الأفضل لك. أنا أنقذك من نفسك”.
ويرفض محاولة أشخاص من الخارج شرح ما هو الصحيح لسكان المدينة، من دون قبول احتمال أنهم درسوا الواقع ووصلوا إلى استنتاج مختلف.
ومثل أوحيون، يذكّر بن آشر بأهمية الحياة على الحدود.
وقال: “حيث يُبنى البيت الأخير”، موضحًا أن استمرار وجود المدينة يتعلق بأمن الجميع.
وبرأيه، فإن الخروج من هذا الخطاب يحتاج إلى خطوات من كلا المعسكرين.
وقال: “كل معسكر يجب أن يقوم بخطوات تجاه المعسكر الآخر. يجب أن يتحول الخطاب إلى خطاب بنّاء، وإلى خطاب يستمع، ويقدم بدائل ويجيب عن أسئلة الطرف الآخر”.
أما أوحيون فتدعو إلى تحويل جزء من الإحباط إلى تحرك داخل معسكرها نفسه، والمطالبة بالعمل من أجل المدينة من دون إعفاء أحد من المسؤولية.
وقالت: “اليمين يحتاج اليوم إلى شيكما برسلر خاصة به”.
وأضافت: “يجب العمل هنا، وأنا سأنتقد اليمين أيضًا عندما تكون هناك حاجة”.
وهكذا، تكشف كريات شمونة بعد 3 سنوات من الحرب والإخلاء صورة أكثر تعقيدًا من مجرد تصويت عقابي أو ولاء حزبي ثابت: سكان ينتقدون الحكومة، يحملون القيادة المحلية جزءًا من المسؤولية، ويشعرون بثقل اقتصادي واجتماعي كبير، لكن الاعتبار الأمني وتجربتهم اليومية على حدود لبنان أبقيا شريحة واسعة منهم متمسكة بنتنياهو و”الليكود”.




