
تعيش أسواق الذهب والفضة مرحلة من التقلبات الحادة، في ظل تداخل العوامل الاقتصادية والنقدية والجيوسياسية، من توقعات أسعار الفائدة الأميركية ومعدلات التضخم، إلى ارتفاع أسعار النفط وتصاعد التوترات العسكرية في المنطقة. وبين موجات الارتفاع والتراجع، يجد المستثمرون، ولا سيما صغار المدّخرين، أنفسهم أمام تساؤلات حول اتجاه الأسعار في المرحلة المقبلة، وما إذا كان الهبوط الحالي مؤشراً إلى تغيير في المسار أم تصحيحاً مؤقتاً في سوق المعادن الثمينة.
وفي هذا السياق، شرح تاجر الذهب بشير حسون، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أن تراجع أسعار الذهب والفضة يرتبط بمجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدّمها الحديث عن رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة الأميركية، وارتفاع معدلات التضخم عالمياً، ولا سيما في الولايات المتحدة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط.
وأضاف أن التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة تشكّل عاملاً إضافياً في حركة الأسواق، وخصوصاً استهداف المنشآت الحيوية ومصافي النفط في المملكة العربية السعودية، إلى جانب التهديدات الأميركية بشن ضربات واسعة على إيران، وما رافقها من تساؤلات حول طبيعة الضربة الأخيرة، وما إذا كانت تمهيدية أو محدودة أو مقدمة لتداعيات وتصعيد إضافيين.
ورأى حسون أن اجتماع هذه العوامل يضغط على أسعار الذهب والفضة ويدفعها نحو الهبوط، لكنه استبعد أن يشكّل ذلك سبباً للهلع على المدى الطويل. وأوضح أنه من الممكن أن تشهد الأسعار مزيداً من التراجع على المدى القصير، ولا سيما إذا اتجهت الولايات المتحدة إلى رفع أسعار الفائدة في كانون الأول أو كانون الثاني المقبل، إلا أنه توقع تحسناً خلال الأشهر الستة المقبلة أو خلال سنة.
وفي معرض تفسيره لهذا التفاؤل، أشار إلى أن مشتريات المصارف المركزية العالمية من الذهب تتزايد، إلى جانب توجه الصناديق الاستثمارية نحو الشراء، لافتاً إلى أن المستثمرين الصغار ينبغي أن يراقبوا سلوك اللاعبين الكبار في السوق، أي الدول والمصارف المركزية والصناديق الاستثمارية.
وأوضح أن هؤلاء، رغم التراجعات الحالية، لا يتجهون إلى البيع بدافع الخوف، بل يواصلون الشراء، معتبراً أن هذه المؤشرات تستحق أن يأخذها صغار المستثمرين في الاعتبار قبل اتخاذ قراراتهم.
ومن هنا، وجّه حسون دعوة إلى المواطنين والمدّخرين بعدم الخوف من تراجع أسعار الذهب والاندفاع إلى بيعه بخسارة، وكذلك عدم الهلع من الهبوط الحاد الذي شهدته الفضة. ولفت إلى أن سعر الفضة سجّل تراجعاً بنحو 400 دولار للكيلوغرام خلال الشهر الحالي، في ثاني أكبر هبوط تشهده خلال السنة، بحسب تقديره.
ورداً على سؤال حول ما إذا كان ينصح بالشراء في هذه المرحلة، أوضح أن الأمر يرتبط بحجم المبلغ المتوافر لدى الشخص. فإذا كان المبلغ محدوداً، كأن يمتلك الفرد 100 أو 500 دولار، فقد يكون من الأفضل توظيفه في شراء الذهب بدلاً من ترك الأموال جانباً، بهدف الحفاظ على قيمتها الشرائية في ظل الغلاء والتضخم اللذين يضغطان على المدخرات في لبنان والعالم.
أما بالنسبة إلى أصحاب المبالغ الكبيرة، فنصح بعدم ضخ كامل المبلغ دفعة واحدة، بل تقسيم عمليات الشراء على مراحل، تحسباً لاحتمال استمرار الهبوط. وضرب مثالاً على ذلك بأن من يمتلك 1000 دولار يمكنه شراء الذهب بنصف المبلغ حالياً، والاحتفاظ بالنصف الآخر للاستفادة من أي تراجع إضافي في الأسعار، بما يتيح له توزيع مخاطر الشراء وعدم الدخول بكامل السيولة عند مستوى سعري واحد.
وعن مستقبل الذهب، أكد حسون اعتقاده بأن الأسعار ستتعافى على المدى الطويل وتعود إلى مسارها التصاعدي، معتبراً أن العوامل الأساسية التي دفعت الذهب إلى الارتفاع لا تزال قائمة.
ولفت إلى أن سعر أونصة الذهب بلغ مستويات تقارب 3960 دولاراً خلال السنة الحالية، وهي مستويات مرتفعة مقارنة بما كانت عليه الأسعار في السنوات الماضية، مستعرضاً مسار الارتفاع التاريخي، إذ كانت الأونصة عند حدود 1600 دولار قبل نحو أربع سنوات، و1900 دولار قبل ثلاث سنوات، و2700 دولار قبل سنتين.
وختم حسون بالإشارة إلى أن الهبوط الأخير، على حدّته، لا يلغي حقيقة أن الذهب لا يزال عند مستويات سعرية مرتفعة تاريخياً مقارنة بالسنوات السابقة، مجدداً دعوته إلى عدم اتخاذ قرارات بيع متسرعة تحت تأثير الخوف، والتعامل مع تقلبات السوق بهدوء، مع مراعاة حجم الاستثمار والقدرة على تحمّل المخاطر.




