
كتب سعد شعنين في موقع mtv:
لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً عابراً أن تسبق كلمة رئيس الجمهورية اللبنانية جوزف عون بمناسبة وقف إطلاق النار، عزفُ النشيد الوطني اللبناني، فيما كان العلم يرفرف في المشهد. بل كان ذلك مدخلاً سياسياً بامتياز، يحمل في رمزيته ما يتجاوز الشكل إلى عمق المعنى: عودة الدولة إلى الواجهة، واستعادة الهوية الوطنية الجامعة في لحظة مفصلية.
في تلك اللحظة، بدا وكأن النشيد لا يُعزف فقط، بل يُستعاد معه فكرة لبنان كدولة، لا كساحة؛ ككيان موحّد، لا كمجموعة ساحات متنازعة. أما العلم، وهو يرفرف، فلم يكن مجرد خلفية بصرية، بل رسالة واضحة بأن السيادة ليست شعاراً، بل ممارسة يجب أن تُترجم في القرار الوطني.
جاءت كلمة الرئيس لتبني على هذه الرمزية، فتؤكد أن وقف إطلاق النار ليس مجرد محطة عابرة، بل فرصة لإعادة تصويب المسار. مسار يعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة، ويكرّس احتكارها لقرار الحرب والسلم، في وقت بات فيه هذا القرار عرضة للتجاذبات والتداخلات الإقليمية.
وفي صلب الخطاب، برز تحذير واضح من أن يبقى لبنان واللبنانيون رهائن لمشاريع خارجية، تُستخدم أرضهم ساحةً لتصفية الحسابات، ويُزجّ بشعبهم في صراعات لا تخدم مصلحتهم الوطنية. هنا، لم يكن الكلام موجهاً إلى الخارج فقط، بل إلى الداخل أيضاً: إلى كل من اعتاد ربط مصير لبنان بمحاور إقليمية، أو الاستثمار في الانقسامات الداخلية.
وفي هذا السياق، دعا الرئيس اللبنانيين إلى مواجهة غرائز الفتنة التي تظهر كلما اشتدت الأزمات، وإلى رفض الانجرار خلف الشعارات التي تُحرّض ولا تبني، وتُقسّم ولا توحّد. فالمعركة، كما عكسها الخطاب، لم تعد فقط على الحدود، بل في الوعي: بين من يريد دولة تجمع، ومن يكرّس واقع الانقسام.
لم يتحدث الرئيس بلغة الانتصارات الوهمية، ولا بمنطق تسجيل النقاط، بل بلغة الدولة التي تعرف حجم التحديات، وتسعى إلى تثبيت الاستقرار كمدخل إلزامي لأي نهوض. فوقف النار، كما عكسه الخطاب، ليس نهاية أزمة، بل بداية اختبار: هل ينجح لبنان في تحرير قراره الوطني من الارتهان، أم يبقى أسير توازنات الخارج؟
في موازاة ذلك، حملت الكلمة بُعداً إنسانياً واضحاً، مع التأكيد على ضرورة عودة الأهالي إلى قراهم، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار، بما يعيد الحياة إلى المناطق التي دفعت أثمان المواجهات. وهنا أيضاً، بدا العلم المرفرف وكأنه يختصر المعادلة” الأرض لأهلها، والدولة مسؤولة عن حمايتها وإعادة نبضها”.
ما بين النشيد والكلمة، تبلورت صورة مرحلة جديدة يُفترض أن تُبنى على أسس مختلفة: سيادة غير منقوصة، قرار مركزي واضح، ووعي وطني يرفض أن يكون أداة في مشاريع الآخرين. إنها لحظة مواجهة مع الذات، بقدر ما هي مواجهة مع التحديات.
في النهاية، لم يكن المشهد مجرد افتتاحية لخطاب، بل إعلان نية: أن يعود لبنان دولة تُعرّف نفسها بنفسها، لا عبر الآخرين، وأن يكون علمها، حين يرفرف، تعبيراً عن سيادة حقيقية لا لبس فيها، وسيكون على اللبنانيين، قبل غيرهم، أن يثبتوا أنهم على قدر هذه اللحظة.




