سلايدات

أخطر ما قد تُصيبه الحروب في عمقها هو العدالة نفسها

بقلم المحامية فريال الأسمر:

حين تُذكر الحروب، يتبادر إلى الأذهان الدمار والتهجير والخوف وتعطل مؤسسات الدولة، غير أنّ أخطر ما قد تُصيبه الحروب في عمقها هو العدالة نفسها. فحين تتوقف المحاكم، وتتراكم الملفات، ويُحرم المتقاضون من الوصول إلى قاضيهم الطبيعي، يصبح الأمن القضائي مهدداً تماماً كما يُهدَّد الأمن الاجتماعي. وهذا ما شهده الجنوب اللبناني خلال فترة الحرب الأخيرة، حيث فرض الواقع الأمني القاسي تهجير الأهالي وإقفال عدد كبير من المؤسسات الرسمية، وفي مقدمتها المحاكم، ولا سيما محاكم النبطية التي وجدت نفسها في قلب منطقة ملتهبة تتعرض لمخاطر يومية جعلت الوصول إليها محفوفاً بالخطر.

 

لقد أدى هذا الواقع الاستثنائي إلى شلل شبه كامل في العمل القضائي داخل تلك المنطقة. فالملفات القضائية، سواء المتعلقة بالدعاوى العادية أو بملفات الموقوفين، بقيت عالقة داخل مباني المحاكم المقفلة، فيما تعذر على القضاة والموظفين والمحامين متابعة أعمالهم بصورة طبيعية. ولم يكن الأمر مجرد تعطيل إداري عابر، بل مسألة تمس حقوق الناس الأساسية، لأن وراء كل ملف إنساناً ينتظر حكماً، أو موقوفاً ينتظر مصيره، أو حقاً مهدداً بالضياع بسبب توقف عجلة العدالة.

 

وفي خضم هذا الواقع الخطير، برز موقف قضائي استثنائي حمل في طياته الكثير من الجرأة والمسؤولية، تمثل بالمبادرة التي قادها الرئيس الأول القاضي منيف بركات، والذي اتخذ قراراً بالغ الحساسية والخطورة، ليس فقط على المستوى الإداري والقضائي، بل أيضاً على المستوى الشخصي والأمني.

 

ففي وقت كانت فيه المنطقة تعيش تحت وطأة الخطر، اتُّخذ القرار بالدخول إلى محكمة النبطية والعمل على إفراغ الملفات القضائية المهمة الموجودة فيها، ونقلها حفاظاً عليها وضماناً لاستمرار العمل القضائي وعدم ضياع حقوق المتقاضين. ولم يكن هذا القرار عادياً، إذ إن مجرد التوجه إلى منطقة مهددة في ظل ظروف أمنية دقيقة كان ينطوي على مخاطر جدية تهدد سلامة كل من يشارك في هذه المهمة، من قضاة وموظفين وعناصر مساعدة.

 

ومع ذلك، مضى الرئيس الأول القاضي منيف بركات مع كل من النائب العام الاستئنافي القاضية نجاة ابو شقرا وقاضي التحقيق القاضية فاطمة ماجد والمساعدون القضائيون: عباس بشر رئيس قلم النيابة العامة، محمد حايك رئيس قلم الهيئة الاتهامية ، جنان مطر رئيسة قلم محكمة الجزاء ، فاطمة فحص رئيسة قلم بداية عقاري والسجل التجاري، وسيم ابراهيم رئيس قلم التحقيق ، زينة فرح كاتبة بمحكمة الجنايات وضباط وعناصر من قوى الامن وعناصر من الصليب الأحمر في هذه الخطوة انطلاقاً من قناعة بأن العدالة لا يجوز أن تُترك رهينة الحرب، وأن حماية الملفات القضائية ليست مسألة إدارية فحسب، بل حماية لحقوق الناس ولمصير قضايا قد ترتبط بحريات أفراد ومستقبل عائلات كاملة.

 

إنّ أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في نقل الملفات بحد ذاته، بل في الرسالة التي حملتها. فقد أكدت أنّ السلطة القضائية، رغم ضعف الإمكانات والظروف القاهرة، قادرة على المبادرة وعدم الاستسلام للشلل. كما أظهرت أنّ القاضي لا يقتصر دوره على الجلوس خلف مكتبه وإصدار الأحكام، بل قد يجد نفسه في لحظات مصيرية مطالباً بحماية العدالة نفسها من الانهيار.

 

وكان لملفات الموقوفين خصوصية بالغة الخطورة في هذا السياق، لأن تعطيلها يعني عملياً إبقاء أشخاص رهن التوقيف من دون إمكانية متابعة أوضاعهم القانونية ضمن مهلة معقولة، وهو ما قد يشكل مساساً خطيراً بالحرية الفردية وبمبادئ المحاكمة العادلة. لذلك، فإن إنقاذ هذه الملفات ونقلها لم يكن مجرد إجراء تنظيمي، بل خطوة أساسية لمنع تفاقم الظلم الناتج عن الظروف الاستثنائية.

 

كذلك، فإن ضياع الملفات القضائية أو تعرضها للتلف كان سيشكل كارثة قانونية حقيقية، لأن الملف القضائي ليس مجرد أوراق محفوظة في خزائن المحاكم، بل هو ذاكرة الدعوى بكاملها، بما تتضمنه من مستندات وإفادات وتحقيقات وقرارات وأدلة. وأي فقدان لهذه الملفات كان سيؤدي إلى ضياع حقوق، وربما إلى انهيار دعاوى كاملة وتعذر إعادة تكوينها.

 

ومن هنا، يمكن القول إن ما جرى لم يكن مجرد عمل لوجستي أو إداري، بل كان فعلاً قضائياً بامتياز، يجسد معنى تحمّل المسؤولية في أصعب الظروف. فالجرأة التي تطلبها الدخول إلى منطقة خطرة لحماية ملفات الناس وحقوقهم تعكس شعوراً عميقاً برسالة القضاء ودوره الوطني والإنساني.

 

إنّ الحروب تكشف معادن المؤسسات والأشخاص. وفي أوقات الانهيار، يظهر الفرق بين من ينسحب أمام الخطر ومن يقرر المواجهة حفاظاً على ما تبقى من الدولة. وما قام به الرئيس الأول القاضي منيف بركات مع القضاة والموظفين الذين شاركوا في هذه المهمة يندرج في إطار الدفاع عن استمرارية العدالة، وعن حق المواطنين في ألا تتحول الحرب إلى سبب إضافي لضياع حقوقهم.

 

لقد أثبتت هذه التجربة أنّ القضاء، حتى في أحلك الظروف، يمكنه أن يتمسك بدوره، وأن العدالة قد تتعثر لكنها لا يجب أن تموت. وربما تكون قيمة هذه الخطوة أنها أعادت التذكير بأن حماية العدالة لا تتحقق بالنصوص وحدها، بل أيضاً بالشجاعة الإنسانية والمهنية لأولئك الذين يؤمنون بأن رسالة القضاء تستحق المخاطرة والتضحية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى