سلايدات

“لا تمويل للأمم المتحدة”… خطة إسرائيلية لكسر نفوذ المنظمة من الداخل

بعد 81 عاماً على توقيع ميثاق الأمم المتحدة، يعود الجدل داخل إسرائيل حول دور المنظمة الدولية وحدود تأثيرها، لكن هذه المرة بدعوة أكثر حدة لا تكتفي بانتقاد القرارات، بل تطالب بتقليص قوة الأمم المتحدة، ووقف تمويلها، وبناء أطر دولية بديلة بقيادة الولايات المتحدة ودول ديمقراطية ومعتدلة.

وبحسب مقال للكاتب آشر فريدمان في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، فإن الأمم المتحدة أحيت يوم الجمعة الماضي يوم ميثاق المنظمة، بعد 81 عاماً على توقيعه، لكن الكاتب يرى أن فهم حجم تآكل مبادئه لا يحتاج إلا إلى النظر في هوية نائب رئيس اللجنة الخاصة بميثاق الأمم المتحدة، وهي الهيئة التي يُفترض أن تحافظ على المبادئ الأساسية للمنظمة: الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ويعتبر فريدمان أن هذه ليست سوى واحدة من أمثلة كثيرة على ما وصفه بـ”تشوهات عبثية” داخل الأمم المتحدة. ويشير إلى أن لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة خلصت الأسبوع الماضي إلى أن إسرائيل تستهدف الأطفال عمداً بهدف الدفع نحو “إبادة جماعية” في غزة، معتبراً أن هذا الأمر لم يثر صدى واسعاً داخل إسرائيل، لأن كثيرين رأوا فيه اتهاماً آخر ضد إسرائيل يُضاف إلى لائحة طويلة من “الأكاذيب والافتراءات”.

لكن الكاتب يرى أن هذا التعامل مع الأمم المتحدة خطأ، لأن الاتهامات والقرارات لا تبقى في تقارير وتصريحات مجلس حقوق الإنسان وسائر هيئات المنظمة، بل تتحول، فور حصولها على ختم جهة تعمل تحت راية الأمم المتحدة، إلى أرضية لإجراءات قانونية ضد إسرائيل وضد جنودها، وإلى مقاطعات وقوائم سوداء ورفض بيع السلاح، وتحريض في الجامعات والبرلمانات وشوارع العالم، بما يسمّم الجيل المقبل.

ويقول فريدمان إن إسرائيل لا يجب أن تكتفي بـ”هز الكتفين”، أو بترداد عبارة “أمم متحدة لا شيء”، أو بإصدار بيانات تنديد فقط، بل يرى أن الوقت حان لرفع مستوى المعركة ضد الأمم المتحدة، والانتقال من الدفاع المتأخر أمام كل اتهام جديد إلى مواجهة مبادرة وحازمة ضد ما يسميه “منظومة التحريض ونزع الشرعية”.

ويضيف أن منظومة نزع الشرعية داخل الأمم المتحدة ضخمة، وتشمل أكثر من 30 هيئة ولجنة وآلية ومنصباً، بميزانيات تبلغ مليارات الدولارات، تعمل، بحسبه، على إنتاج ونشر اتهامات ضد إسرائيل، ومنح شرعية للجماعات المسلحة، وتكريس سردية “العودة” الفلسطينية. ويشرح أن جهة تصوغ الاتهام، وجهة أخرى تمنحه ختم “القانون الدولي”، وجهة ثالثة تنشره بين الدول ووسائل الإعلام والجمهور حول العالم. ومنذ 7 تشرين الأول، وفيما يقاتل الجنود الإسرائيليون على 7 جبهات، تبنّت هيئات الأمم المتحدة أكثر من 75 قراراً وإدانة ضد إسرائيل.

ويرى الكاتب أن الأمم المتحدة لا تضر بإسرائيل وحدها، بل تضر أيضاً بالمصالح الواضحة للولايات المتحدة والعالم الحر. فمبدأ “دولة واحدة، صوت واحد”، المعتمد في مؤسسات عديدة داخل الأمم المتحدة، يسمح للصين وكتلة من الدول الإسلامية بتحديد جدول الأعمال ونتائج التصويت. ومن خلال مجموعة “G77 والصين”، التي تضم نحو 70% من أعضاء الجمعية العامة، تعمل بكين وائتلاف من الدول النامية على دفع أهدافها الاستراتيجية، ومنع انتقاد انتهاكات حقوق الإنسان لديها، والتحرك ضد مصالح أميركية حيوية في ملفات مثل النووي، والعقوبات، والهجرة، وتايوان.

ويتابع أن الأكثرية التلقائية لهذه الكتل المناهضة للغرب تسمح لها أيضاً بتحديد حجم مساهمة كل دولة في تمويل الأمم المتحدة وقوات حفظ السلام، ومن يُنتخب إلى هيئات قانونية دولية، وأي آليات ضد إسرائيل تُنشأ وتُموّل.

ويعتبر فريدمان أن المفارقة تكمن في أن دافع الضرائب الأميركي هو المموّل الأكبر لهذه المنظومة. ففي العقد الأخير، تحملت الولايات المتحدة نحو 28% من تمويل منظومة الأمم المتحدة، أي ما يقارب 20 مليار دولار سنوياً. وهي تدفع أكثر مما تدفعه 183 دولة عضو مجتمعة، لكنها في الجمعية العامة لا تملك سوى صوت واحد، تماماً مثل أي ديكتاتورية من العالم الثالث أو دولة جزيرية صغيرة. وبحسب الكاتب، فإن الولايات المتحدة تموّل عملياً منظومة تقوّض أمنها ومصالحها ومكانة أقرب حلفائها في الشرق الأوسط.

ويرى أن نافذة فرصة فُتحت الآن لتغيير الواقع، معتبراً أن إدارة ترامب فهمت أن المشاركة في المؤسسات الدولية ليست هدفاً بحد ذاته، وأن على الولايات المتحدة دعم هذه المؤسسات فقط عندما تخدم مصالحها، لا عندما تعمل ضدها. ويشير إلى أن الإدارة أوقفت أو خفّضت المشاركة والتمويل في هيئات دولية كثيرة، بينها أكثر من 30 هيئة مرتبطة بالأمم المتحدة.

ومن هنا، يدعو فريدمان إسرائيل إلى مطالبة الإدارة الأميركية بالخطوة التالية: وقف تمويل الأمم المتحدة بالكامل، باستثناء حالات نادرة تخدم بوضوح المصلحة الأميركية، والعمل مع ائتلاف من الدول الديمقراطية والمعتدلة على إنشاء أطر بديلة، فعالة ونظيفة من تأثير الديكتاتوريات والأنظمة الداعمة للجماعات المسلحة.

ويكشف الكاتب أنه سيتوجه الشهر المقبل إلى واشنطن لعرض نتائج بحث شامل نشره مركز الدبلوماسية في معهد مسغاف للأمن القومي، أمام مشرعين ومسؤولين كبار في الإدارة الأميركية. ويقول إن الرسالة واضحة: حان الوقت لوقف تمويل الأمم المتحدة، والانفصال عن منظمة فاشلة وفاسدة، وإنشاء أطر بديلة تدفع مصالح الولايات المتحدة والعالم الحر. ويضيف أن العالم تغيّر جذرياً خلال الـ80 عاماً التي مرت منذ تأسيس الأمم المتحدة، ولم يعد منطقياً التمسك بمؤسسات وأنماط قديمة لا تناسب واقع اليوم، ولا تعزز السلام والأمن، بل تضر بهما وتُستغل من قبل أعداء الغرب ضده.

لكن فريدمان يشدد على أن المسؤولية لا تقع على الحليف الأميركي وحده، بل على إسرائيل أيضاً، التي يجب أن تدرك أن معركة الشرعية الدولية جزء لا يتجزأ من الأمن القومي. فهذه المعركة، بحسبه، تؤثر مباشرة في هامش المناورة السياسية والعملياتية، وفي إمدادات السلاح، والضغط الدولي، والشرعية التي تحصل عليها الجماعات المسلحة، والتهديدات القانونية ضد الجنود والقادة الإسرائيليين.

ويعتبر أن حكومات إسرائيل، على مدى سنوات، أنفقت في هذه الساحة أقل مما تنفقه شركة خاصة متوسطة على الإعلانات، داعياً إلى استثمار أكبر بكثير في تفكيك ما يصفه بـ”الأكاذيب والافتراءات”، والهجوم على الجهات التي تصنع نزع الشرعية، وبناء خطاب أصيل مع جماهير واسعة ومتنوعة في الولايات المتحدة وحول العالم، وتشغيل حملة رقمية مهنية ومتطورة وواسعة النطاق.

ويختم فريدمان بالقول إن أمام إسرائيل فرصة تاريخية لإضعاف وتفكيك محرك نزع الشرعية في الأمم المتحدة من أساسه، معتبراً أن عليها الانتقال من الدفاع إلى الهجوم في معركة الشرعية، ومحذراً من تفويت هذه الفرصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى