
كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه أصدر تعليمات مسبقة تقضي بتوجيه ضربات غير مسبوقة إلى إيران في حال نجحت طهران في اغتياله، مؤكدًا أنه يتصدر منذ سنوات قائمة الأهداف الإيرانية، وأن المعلومات الإسرائيلية الأخيرة لم تضف، بحسب قوله، معطيات جديدة إلى ما تعرفه واشنطن مسبقًا.
وقال ترامب، في حديث إلى صحيفة «نيويورك بوست»، إنه كان «الهدف رقم 1» على قائمة الاغتيالات الإيرانية منذ وقت طويل، نافيًا وجود خطة إيرانية جديدة علم بها أخيرًا، ومشيرًا إلى أن إيران تريد قتله منذ سنوات، فيما لم تقدم إسرائيل معلومات جديدة تغيّر التقديرات الأميركية القائمة.
وأضاف أنه ترك تعليمات واضحة تقضي، في حال نجاح إيران في اغتياله، باستهدافها «بمستويات لا مثيل لها»، في تهديد مباشر يعكس حجم التوتر بين واشنطن وطهران، ويضع أي تحرك يستهدف الرئيس الأميركي ضمن الخطوط الحمراء التي قد تستدعي ردًا عسكريًا واسعًا.
وتأتي تصريحات ترامب بعد تقارير تحدثت عن نقل إسرائيل معلومات استخباراتية إلى الولايات المتحدة بشأن مخطط إيراني جديد ومحدد لاستهدافه، إلا أن واشنطن لم تكن قد تحققت بصورة مستقلة من صحة هذه المعلومات عند الكشف عنها.
وبحسب تقرير نقلته «سي إن إن»، فإن بعض المسؤولين الأميركيين تعاملوا بحذر مع المعطيات الإسرائيلية، وسط تقديرات داخل دوائر في واشنطن بأن التحذير قد يكون جزءًا من محاولة للتأثير في قرارات ترامب ودفع إدارته نحو مزيد من التصعيد العسكري ضد إيران.
ويعود القلق الأميركي من احتمال استهداف ترامب إلى ما بعد الضربة التي أمر بها عام 2020، وأدت إلى اغتيال قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، إذ حذرت السلطات الأميركية مرارًا من احتمال سعي طهران للرد عبر استهداف مسؤولين أميركيين حاليين أو سابقين.
وتزامنت تصريحات ترامب بشأن الاغتيال مع إعلان جديد قال فيه إن إيران طلبت من الولايات المتحدة مواصلة المحادثات، وإن واشنطن وافقت على ذلك، لكنها أبلغت طهران بصورة لا لبس فيها أن وقف إطلاق النار انتهى.
وقال ترامب في منشور عبر منصته: «طلبت منا الجمهورية الإسلامية الإيرانية مواصلة المحادثات. وقد وافقنا على ذلك، لكن الولايات المتحدة أبلغتها بوضوح أن وقف إطلاق النار انتهى».
ويعكس هذا الموقف اعتماد الإدارة الأميركية مسارين متوازيين في التعامل مع إيران، يقوم الأول على إبقاء باب المفاوضات مفتوحًا، فيما يستند الثاني إلى مواصلة الضغط العسكري والسياسي من دون إعادة تثبيت الهدنة التي حكمت العلاقة بين الجانبين خلال الأسابيع الماضية.
وبذلك، تبدو واشنطن مستعدة للتفاوض مع طهران، ولكن من دون اعتبار وقف إطلاق النار شرطًا مسبقًا للمحادثات، في معادلة تفتح الباب أمام مفاوضات تجري بالتزامن مع استمرار خطر الضربات والردود العسكرية.
وجاء إعلان ترامب عقب تبادل جديد للضربات بين الولايات المتحدة وإيران، إذ استهدفت القوات الإيرانية بنى عسكرية أميركية في دول خليجية، ردًا على ضربات أميركية طالت مناطق ساحلية وجنوبية وشرقية داخل إيران.
وكان الجانبان قد توصلا خلال حزيران الماضي إلى تفاهم موقت أنهى مرحلة من الحرب وفتح المجال أمام محادثات تهدف إلى الوصول إلى اتفاق أكثر استدامة، إلا أن تجدد المواجهة والاضطرابات المرتبطة بالملاحة في مضيق هرمز أعادا المسار إلى نقطة شديدة الهشاشة.
ورغم إعلان ترامب أن مذكرة التفاهم ووقف إطلاق النار أصبحا منتهيين، لا تزال قنوات الوساطة تعمل لمنع انهيار المسار الدبلوماسي بصورة كاملة، ولا سيما في ظل رغبة واشنطن في تجنب العودة إلى حرب شاملة ومفتوحة مع إيران.
وفي هذا السياق، توجه مفاوضون قطريون إلى إيران بالتنسيق مع الولايات المتحدة، حيث عقدوا لقاءات مع مسؤولين إيرانيين سعياً إلى خفض التوتر وتهيئة الظروف لاستئناف المحادثات، وسط مؤشرات إلى رغبة الطرفين في العودة إلى العمل بالتفاهم الموقت، رغم التصعيد العلني.
كما أجرت قطر وباكستان والسعودية ومصر وتركيا اتصالات مكثفة مع مسؤولين أميركيين وإيرانيين، في محاولة للتوصل أولًا إلى خفض للتصعيد، ثم تحديد موعد لجولة جديدة من المحادثات الفنية بشأن الملفات الخلافية.
وتتركز الخلافات بصورة خاصة على أمن الملاحة في مضيق هرمز، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، والضمانات المطلوبة لتنفيذ أي اتفاق، إضافة إلى كيفية منع الأطراف الرافضة للتسوية من تقويضها عبر هجمات عسكرية أو بحرية جديدة.
ويزيد ملف الاغتيال المشهد تعقيدًا، إذ يربط ترامب أي استهداف محتمل له برد عسكري بالغ الشدة، في وقت تواصل فيه إدارته الموافقة على المحادثات، ما يرفع مستوى الضغط على إيران ويضعها أمام معادلة تجمع بين التفاوض والتهديد المفتوح.
كما تكشف تصريحات ترامب تباينًا مع الرواية الإسرائيلية بشأن وجود مخطط جديد، إذ قلل الرئيس الأميركي من أهمية المعلومات الأخيرة، معتبرًا أن طهران تضعه في دائرة الاستهداف منذ أعوام، وأن التحذيرات الجديدة لا تغيّر الصورة الأمنية القائمة لديه.
ويطرح هذا التباين تساؤلات بشأن مدى الثقة بين واشنطن وتل أبيب في إدارة ملف إيران، خصوصًا مع تقارير سابقة تحدثت عن رغبة إسرائيل في الانضمام إلى الضربات الأميركية، مقابل تمسك إدارة ترامب بإبقاء إسرائيل خارج المواجهة في المرحلة الحالية، خوفًا من فقدان السيطرة على مسار الحرب.
وبين الحديث عن خطة اغتيال والتهديد برد غير مسبوق، وبين موافقة ترامب على استمرار المحادثات، تدخل العلاقة الأميركية – الإيرانية مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث يبقى المسار الدبلوماسي قائمًا، لكن من دون مظلة وقف إطلاق النار التي كانت تضبط المواجهة.
وتبقى المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرة الوسطاء على الفصل بين ملف التهديدات الأمنية والمحادثات السياسية، ومنع أي حادث جديد من تحويل التهديدات المتبادلة إلى مواجهة شاملة لا تقتصر تداعياتها على واشنطن وطهران، بل تمتد إلى دول الخليج ومضيق هرمز وأسواق الطاقة العالمية.




