
دخل الجيش الأميركي مرحلة حرجة في مخزون الذخائر والصواريخ نتيجة الحرب مع إيران، وسط مخاوف متزايدة داخل البنتاغون من أن يؤدي انهيار وقف إطلاق النار والعودة إلى القتال المكثف إلى تعميق الأزمة، بما قد ينعكس على قدرة الولايات المتحدة على خوض مواجهة مستقبلية مع الصين أو كوريا الشمالية.
وبحسب تقرير للصحافي آساف روزنتسفايغ في القناة الإسرائيلية “N12″، لم يتعافَ مخزون الأسلحة الأميركي بعد من العمليات العسكرية ضد إيران، فيما تقلّص مخزون عدد من الأسلحة الحيوية بنحو 50%، وسط تقديرات بأن إعادة تعبئة المستودعات الأساسية قد تستغرق سنوات.
ورغم اتساع نطاق الحرب، لم يقرّ الكونغرس حتى الآن توسيعًا خاصًا للموازنة من أجل تعويض الذخائر المستهلكة، ولا يزال الإنتاج يسير وفق وتيرة تناسب أوقات السلم.
وطلبت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مبلغًا إضافيًا قدره 88 مليار دولار لتغطية تكاليف الحرب مع إيران، إلا أن المقترح قد يواجه صعوبات داخل الكونغرس.
وتتصاعد المخاوف في البنتاغون من أن يؤدي الانهيار النهائي لوقف إطلاق النار مع إيران، والعودة إلى القتال بوتيرة مرتفعة، إلى تفاقم النقص في مخزون الصواريخ الحيوية، وصولًا إلى مستوى قد يضر بقدرة واشنطن على التعامل مع حرب محتملة ضد الصين، أو حتى ضد كوريا الشمالية.
وقال خبراء تحدثوا إلى شبكة “CNN” إن مخزون الأسلحة الأميركي لا يزال بعيدًا من التعافي بعد المواجهة مع إيران، وإن استئناف الضربات بالحجم نفسه سيؤدي إلى ارتفاع كبير في المخاطر العسكرية.
وأوضح مارك كانسيان، العقيد المتقاعد في قوات مشاة البحرية الأميركية والمحلل في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية «CSIS»، أنه إذا استمرت الحرب بالوتيرة التي شهدتها خلال الأيام الـ5 الأولى من القتال، فإن مخزون الصواريخ سيتآكل إلى مستوى يخلق مخاطر أكبر في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وخلال المرحلة الأولى من المواجهة مع إيران، استخدم الجيش الأميركي آلاف الصواريخ في تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى، وفي التصدي للهجمات الجوية والصاروخية.
وقال مايكل أوهانلون، الباحث في معهد «بروكينغز»، إنه لا شك في أن مخزون الذخائر الأميركية بات أقل من المستوى المطلوب.
وبحسب تحليل أعدّه مركز «CSIS»، كان البنتاغون قد استخدم، حتى انتهاء القتال الشامل بين الولايات المتحدة وإيران في نيسان، ما لا يقل عن نصف مخزونه من صواريخ اعتراض منظومة «ثاد»، ونحو نصف صواريخ منظومة الدفاع الجوي «باتريوت»، إضافة إلى نحو 30% من مخزون صواريخ «توماهوك» المخصصة لضرب الأهداف البرية.
وأتاح وقف إطلاق النار للولايات المتحدة التقاط أنفاسها جزئيًا على مستوى الذخائر، إذ تطلب تبادل الضربات المحدود خلال الأشهر اللاحقة استخدام عدد أقل من الصواريخ، إلا أن وتيرة تعويض المخزون بقيت منخفضة جدًا.
ووفق جداول السنة المالية الحالية، يتلقى البنتاغون شهريًا نحو 15 صاروخًا جديدًا من طراز «توماهوك»، ونحو 20 صاروخ «باتريوت» فقط.
ولا يُتوقع أن تتلقى الولايات المتحدة خلال عام 2026 أي دفعة جديدة من صواريخ اعتراض منظومة «ثاد».
ويقدّر مركز «CSIS» أن إعادة المخزون إلى مستوياته التي سبقت الحرب مع إيران ستتطلب 3 سنوات أو أكثر.
أما إيلين ماكوسكر، التي شغلت سابقًا منصب نائبة المراقب المالي في البنتاغون، فقدّرت أن استكمال مخزون معظم أنواع الذخائر سيستغرق ما بين سنتين و5 سنوات.
وتثير مسألة تمويل إعادة التسليح مخاوف إضافية، إذ لم يخصص الكونغرس، منذ اندلاع الحرب، دولارًا واحدًا لاستبدال الصواريخ التي جرى استهلاكها.
وبالتالي، تجري عملية التزوّد بالذخائر ضمن مسار المشتريات السنوي التقليدي والبطيء المعتمد في أوقات السلم.
وطلب البيت الأبيض خلال الأسابيع الأخيرة من المشرعين تخصيص 88 مليار دولار لتمويل تكاليف الحرب مع إيران، إلى جانب برامج أخرى غير مرتبطة بالمواجهة، إلا أن المقترح يُتوقع أن يواجه عقبات داخل الكونغرس.
ويؤكد البنتاغون أن وزارة الدفاع ملتزمة بتوسيع قطاع الصناعات الدفاعية بسرعة.
وكان ترامب قد فعّل في حزيران قانون الإنتاج الدفاعي بهدف تقليص العوائق التنظيمية وتسريع إنتاج الصواريخ، كما وقّعت الوزارة اتفاقات مع شركات مصنّعة لتوسيع خطوط الإنتاج.
وقال مسؤول في البنتاغون إن العمل جارٍ على «دمج أفضل ما لدى الابتكار الأميركي من أجل زيادة حجم الإنتاج وتعزيز سلاسل التوريد».
ورغم ذلك، تشير التقديرات إلى أن تأثير القانون سيبقى محدودًا، لأن توسيع القدرات الإنتاجية يتطلب وقتًا.
ويمكن أيضًا لمنح دول أخرى تراخيص لإنتاج صواريخ «باتريوت» بصورة مستقلة أن يخفف الضغط عن خطوط الإنتاج الأميركية.
وكان ترامب قد أعلن الأسبوع الماضي منح أوكرانيا ترخيصًا من هذا النوع خلال قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» في تركيا.
إلا أن هذه العملية تحتاج بدورها إلى وقت طويل، إذ استغرقت اليابان 3 سنوات لإنشاء مصنع لإنتاج صواريخ «باتريوت»، بينما لم تنتج ألمانيا حتى الآن صاروخًا واحدًا، رغم أنها بدأت إنشاء خط إنتاج منذ عام 2022.
وفي المقابل، يُتوقع أن تتعافى مخزونات أنواع أخرى من الصواريخ بسرعة أكبر، بينها صاروخ الضربة الدقيقة «Precision Strike Missile»، وصاروخ المواجهة المشتركة جو-أرض «Joint Air-to-Surface Standoff Missile».
وتشير التقديرات إلى أن مخزون هذه الصواريخ قد يعود إلى مستواه الذي سبق الحرب بحلول منتصف عام 2027 أو نهايته.
ويشدد الخبراء على أن المواجهة المحتملة مع الصين ليست الخطر الوحيد الذي يثير القلق، إذ تتطلب خطط الحرب الأميركية ضد كوريا الشمالية أيضًا كميات كبيرة من الصواريخ.
وتحتاج واشنطن إلى هذه الصواريخ لضرب أهداف تابعة للخصم، وكذلك لحماية القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة والعاصمة الكورية الجنوبية سيول من هجمات واسعة قد تنفذها بيونغ يانغ.
ورغم التحذيرات، يحاول البنتاغون إظهار الثقة في قدراته.
وقال المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل إن الجيش الأميركي «يمتلك كل ما يحتاج إليه لتنفيذ مهماته في أي وقت ومكان يقررهما الرئيس».
وأضاف أن القوات الأميركية نفذت بنجاح عددًا من العمليات في ساحات مختلفة، مع حفاظها على مخزون واسع من القدرات اللازمة لحماية المواطنين الأميركيين ومصالح الولايات المتحدة.
ولا تزال التقديرات الأساسية تشير إلى أن قدرة الردع الأميركية أمام الصين وكوريا الشمالية لم تتضرر حتى الآن.
إلا أن هذه المسألة تخضع لمتغيرات عدة، أبرزها الطريقة التي سيفسر بها خصوم واشنطن استعداداتها ومدى جاهزيتها لخوض مواجهة.
وبينما كانت هذه الحسابات تُعد في السابق سياسية في معظمها، أدخل استنزاف الذخائر الأميركية اعتبارات عسكرية حقيقية إلى المعادلة، وجعل استمرار المواجهة مع إيران اختبارًا مباشرًا لقدرة واشنطن على خوض أكثر من حرب في وقت واحد.




