
أثار القانون الذي أقرّه مجلس النواب أمس، والقاضي بإخضاع المتعاقدين في وزارة الإعلام للنظام التقاعدي، تساؤلات واسعة في أوساط موظفي القطاع العام، ولا سيما المتعاقدين في الإدارات العامة الذين اعتبروا أن القانون كرّس التمييز بين موظفين يخضعون للشروط نفسها، فيما استثنى آلاف المتعاقدين في سائر الإدارات من الحق نفسه.
وفي هذا الإطار، أكد رئيس رابطة موظفي القطاع العام، رائد حمادة، أن الرابطة تتابع الملف، محذرًا من أن اعتماد معايير مختلفة بين فئات متشابهة من الموظفين يضرب مبدأ العدالة والمساواة داخل الإدارة العامة.
وفي حديث لـ”ليبانون ديبايت”، اعتبر حمادة أن ما حصل “ظلم واضح”، لأن الموظفين الذين استفادوا من القانون يخضعون عمليًا للشروط نفسها التي تنطبق على آلاف المتعاقدين في الإدارات العامة، متسائلًا: “كيف يمكن أن يحصل فريق على حقوقه فيما يُحرم منها فريق آخر يحمل المواصفات نفسها؟ بأي عدالة يمكن تبرير ذلك؟”.
وأضاف أن الرابطة لطالما طالبت بأن يحصل جميع العاملين في القطاع العام على حقوقهم كاملة، سواء لجهة النظام التقاعدي أو الضمان الاجتماعي أو التقديمات والتغطية الصحية، مشددًا على أن الاعتراض ليس على منح أي فئة حقوقها، بل على اعتماد سياسة الانتقاء، وقال: “نحن مع أن ينال الجميع حقوقهم، لكن لا يجوز أن تُمرَّر الحقوق لفئة وتُحجب عن أخرى. هذا يولّد شعورًا بالغبن، والغبن يولّد ردود فعل قد تصل في بعض الدول إلى الثورات”.
وأوضح حمادة أن عدد المتعاقدين في الإدارات العامة يبلغ نحو 3500 متعاقد، اضافة الى حوالى 7162 موظفًا في الملاك، بعدما تراجع العدد نتيجة وقف التوظيف والهجرة والاستقالات التي شهدتها الإدارة العامة خلال السنوات الأخيرة، لافتًا إلى وجود فئات أخرى من العاملين من فئة الأجراء التي يقدَّر عددها بنحو ألف شخص، ما يعني أن شريحة واسعة من العاملين لا تزال خارج أي معالجة شاملة لحقوقها.
وفي ما يتعلق بموظفي وزارة الإعلام الذين شملهم القانون الجديد، أشار إلى أن عددهم محدود جدًا، مرجحًا ألا يتجاوز بين ستين وسبعين موظفًا، وهو ما يطرح، بحسب تعبيره، علامات استفهام إضافية حول أسباب حصر الاستفادة بهذه الفئة دون سواها.
ورداً على سؤال حول إمكان تحرك الرابطة اعتراضًا على هذا التمييز، أوضح حمادة أن الرابطة تعمل حاليًا على تنظيم الملف ودراسة الخطوات المطلوبة، تمهيدًا لتحديد الفئات التي يجب أن يشملها أي حل متكامل، مؤكدًا أن التحرك سيُبنى على معطيات واضحة وبما يضمن تحقيق العدالة لجميع المتعاقدين.
وفي سياق آخر، تناول حمادة ملف الزيادات الأخيرة على رواتب موظفي القطاع العام، مشيرًا إلى أن الرابطة كانت تخوض تحركات تحت عنوان “رواتب عادلة”، إلا أن إقرار الزيادات الأخيرة يستوجب انتظار تنفيذها فعليًا قبل اتخاذ أي موقف تصعيدي.
وقال: “نحن سبق أن أُقرت الرواتب الستة ولم تُنفذ بعد أشهر طويلة، لذلك سننتظر لنرى كيف ستُطبق الزيادات وكيف ستكون آلية الدفع، وهل ستلتزم الدولة بتنفيذ ما أقرّته أم أننا سنعود إلى سياسة المماطلة والتأخير”.
وأضاف أن الرابطة تعتبر المرحلة الحالية بمثابة “استراحة محارب”، موضحًا أن العلاقة مع الدولة ليست علاقة مواجهة دائمة، بل إن أي خطوة إيجابية تُسجل لصالح الموظفين يتم الترحيب بها، لأنها في النهاية تأتي استجابة لحقوق مشروعة طالبت بها الرابطة منذ سنوات.
وأكد أن الزيادات التي أُقرت لا تعني انتهاء الأزمة، موضحًا أن الموظفين ما زالوا بعيدين جدًا عن استعادة قيمة رواتبهم التي كانوا يتقاضونها قبل الأزمة المالية.
وأوضح أن الموظفين يطالبون بالوصول إلى خمسين ضعف أساس الراتب، لأن ذلك لا يعيد حتى خمسين في المئة من القيمة الفعلية للرواتب التي كانت تُدفع عام 2019، وقال: “حتى إذا وصلنا إلى خمسين ضعف أساس الراتب، نكون بالكاد استعدنا نصف الراتب الذي كان يتقاضاه الموظف قبل الانهيار”.
وأضاف أن الموظف الذي كان يتقاضى نحو ألف دولار عام 2019 لن يحصل، حتى بعد هذه الزيادات، إلا على ما يعادل نحو خمسمئة دولار تقريبًا، مع فارق كبير في القدرة الشرائية نتيجة التضخم وارتفاع الأسعار، معتبرًا أن المقارنة الرقمية وحدها لا تعكس حجم الخسارة الفعلية.
وأشار إلى أن الدراسات المعيشية التي تستند إليها الرابطة تُظهر أن الحد الأدنى لتأمين احتياجات أسرة مؤلفة من أربعة أفراد يبلغ اليوم نحو 1500 دولار شهريًا، في حين لا تزال رواتب موظفي القطاع العام تدور في حدود 400 إلى 500 دولار، وهو ما وصفه بأنه “واقع معيب ومخجل”.
وختم حمادة بالتأكيد أن استقرار رواتب موظفي القطاع العام ليس مطلبًا فئويًا فحسب، بل يشكل ركيزة أساسية لاستقرار الدولة نفسها، قائلاً: “الراتب هو الأمن المعيشي الاستراتيجي للدولة، وعندما لا يكون هناك دخل يضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة، تصبح الدولة نفسها في حالة عدم استقرار، لذلك سنواصل المطالبة برواتب عادلة تحفظ كرامة الموظف وتمكّنه من أداء دوره في خدمة المواطنين”.




