سلايدات

لحظة قلبت أميركا على إسرائيل… الجوع هزم رواية الحرب

لم تكن عملية رفح، رغم حجم التغطية التي رافقتها، اللحظة التي انقلب فيها المزاج الإعلامي الأميركي على إسرائيل. نقطة التحول الحقيقية جاءت بعد وقف إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، حين بدأت صور الجوع واقتحام شاحنات الإغاثة تفرض رواية مختلفة داخل الصحافة المحلية الأميركية، وترفع مستوى الانتقادات إلى ذروته خلال آب 2025.

 

وبحسب تقرير للصحافي إيتمار آيخنر في موقع “واي نت”، استنادًا إلى دراسة جديدة أعدها معهد سياسات الشعب اليهودي، استأنفت إسرائيل القتال في قطاع غزة خلال آذار 2025، بالتزامن مع وقف دخول المساعدات الإنسانية.

 

وكان منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية قد حذّر الحكومة حينها من أن الغذاء سينفد في القطاع في مرحلة معينة، ما سيؤدي إلى تفشي المجاعة. وبعد أشهر، شهد الوضع الإنساني في غزة تدهورًا حادًا.

 

وفي آب 2025، أي بعد 5 أشهر من وقف المساعدات، ارتفعت بصورة كبيرة نسبة التغطية السلبية لإسرائيل في الولايات المتحدة، مع تصاعد الاتهامات بتجويع سكان غزة.

 

وساهمت شهادات السكان والصور المنشورة من داخل القطاع، إضافة إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، في زيادة الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل وقرارات المستوى السياسي.

 

واعتمدت الدراسة على تحليل منهجي لنحو 3000 مقال رأي ومقال صحافي ورسالة إلى المحرر، نُشرت في 17 من أبرز الصحف المحلية في الولايات المتحدة.

 

وأجرى الدراسة محللون في مركز غلايزر للمعلومات، وشملت المواد المنشورة بين كانون الثاني 2024 وحزيران 2026.

 

وأظهرت النتائج أن أكبر قفزة في التغطية السلبية تزامنت مع الاتهامات بفرض تجويع ممنهج، في حين أن دخول الجيش الإسرائيلي إلى رفح، رغم أنه أنتج أكبر حجم من التغطية من الناحية الكمية، لم يسجل أعلى نسبة من المواقف السلبية خلال الفترة التي تناولتها الدراسة.

 

وساهمت تصريحات الوزيرين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، التي تكررت خلال الفترة التي مُنعت فيها المساعدات، في تعزيز موجة الاتهامات ضد إسرائيل.

 

وفي نيسان 2025، بعد نحو شهر على وقف دخول المساعدات، قال سموتريتش: «لن تدخل حتى حبة قمح واحدة بطريقة تصل إلى حماس».

 

وقال بن غفير بدوره: «لا يوجد أي سبب لدخول غرام واحد من الغذاء أو أي نوع من المساعدات إلى غزة».

 

وبعد نحو 4 أشهر من هذه التصريحات، نشرت وسائل الإعلام الأميركية صورًا ومشاهد توثق ما وُصف بكارثة إنسانية في القطاع.

 

وخلال آب 2025، حمل نحو 48% من مقالات الرأي التي شملتها الدراسة نبرة سلبية تجاه إسرائيل، فيما ظهرت كلمتا «الجوع» و«التجويع» في أكثر من 40% منها، ما ساهم في التأثير على النقاش العام داخل الولايات المتحدة.

 

وفي المقابل، كان أيار 2024، حين دخل الجيش الإسرائيلي إلى رفح، الشهر الذي شهد أكبر عدد من المواد المنشورة عن إسرائيل.

 

لكن رغم حجم التغطية الاستثنائي، لم تحمل النبرة السلبية سوى نحو ثلث المنشورات، وهي نسبة أدنى بكثير من تلك المسجلة بعد عام.

 

ورأى الباحثون أن الفارق بين حجم التغطية وطبيعتها يمثل إحدى أبرز خلاصات الدراسة، إذ قد يثير حدث ما اهتمامًا جماهيريًا واسعًا من دون أن يحوّل الخطاب إلى موقف أكثر عدائية.

 

أما الأحداث الإنسانية المصحوبة بصور قاسية، فيمكن أن تترك تأثيرًا أعمق في مواقف الكتّاب وفي طبيعة النقاش العام.

 

وحددت الدراسة حدثًا آخر ساهم في ارتفاع التغطية السلبية، هو ما عُرف بـ«حادثة الطحين» في نهاية شباط 2024، عندما اندفع حشد من سكان غزة نحو قافلة شاحنات مساعدات إنسانية، وقُتل عشرات الأشخاص نتيجة التدافع وإطلاق النار.

 

وأثارت الحادثة عاصفة دولية، فيما حمل نحو 30% من التغطية المتعلقة بها موقفًا سلبيًا تجاه إسرائيل، مقابل 20% بموقف إيجابي ونحو 50% بنبرة محايدة.

 

وهدفت الدراسة إلى رصد العلاقة بين الأحداث الأمنية والسياسية الجارية وبين حجم التغطية الإعلامية، إضافة إلى تحديد النبرة المستخدمة في مقالات الرأي.

 

وفي كل مرة رُصد فيها تحول ملحوظ في حجم التغطية أو في الموقف من إسرائيل، جرى تحليل الأحداث التي وردت في النصوص والأسباب التي دفعت إلى التغير.

 

وأظهرت النتائج أن بعض وسائل الإعلام الأميركية تبنّت في حالات معينة الجدل السياسي الداخلي في إسرائيل، واستخدمت المصطلحات نفسها المتداولة هناك.

 

وفي آب 2024، اتهم مقال في صحيفة محلية بمدينة فيلادلفيا نتنياهو بـ«التخلي عن الأسرى»، بعد العثور على جثامين 6 أسرى قُتلوا داخل نفق في رفح.

 

كما تحدثت الصحيفة عن «النفوذ المفرط» للوزيرين سموتريتش وبن غفير، ووصفتهما بأنهما «أصوليان مسيحانيان».

 

وأخذ الباحثون في الاعتبار وقوع عدة أحداث مهمة خلال الفترة الزمنية نفسها.

 

ففي آب 2024، بالتزامن مع تشييع الأسرى الـ6 في إسرائيل، ظهرت أيضًا قضية «سديه تيمان»، وقصف مدرسة «التابعين»، حيث قال الفلسطينيون إن الضحايا كانوا مدنيين وليسوا مقاتلين.

 

وأظهرت النتائج خلال ذلك الشهر أن نحو 31% من المنشورات كانت سلبية في ضوء الحدثين الأخيرين، مقابل 54% محايدة و15% إيجابية.

 

وسُجلت نتيجة بارزة أخرى خلال صفقة الأسرى الثانية في كانون الثاني 2025، عندما ظهرت واحدة من أدنى نسب التغطية السلبية خلال الفترة التي شملها البحث.

 

واستنتج الباحثون أن الأحداث الإنسانية المرتبطة مباشرة بمعاناة الأسرى تؤدي إلى تخفيف مستوى الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل بدرجة معينة.

 

أما التغطية المرتبطة بعملية «الأسد الصاعد» في حزيران 2025، فقد أظهرت صورة مختلفة، إذ نُشر عدد كبير من المواد المتعلقة بإسرائيل، لكن نسبة مهمة منها وُصفت بأنها متوازنة نسبيًا.

 

وسجلت التغطية السلبية والإيجابية نسبتين متقاربتين، بلغت كل منهما نحو 27%.

 

لكن خلال عملية «زئير الأسد» في آذار 2026، قرب نهاية الفترة التي شملتها الدراسة، ارتفعت التغطية السلبية بصورة واضحة.

 

ورجّح الباحثون أن يكون الانخراط الأميركي المباشر في العمليات العسكرية قد ساهم في هذا التحول، بعدما تبنّت وسائل إعلام محلية إطارًا يرى أن إسرائيل أثرت بصورة كبيرة في قرارات إدارة ترامب المتعلقة بإيران.

 

وخلال تلك الفترة، تجاوزت نسبة المواد السلبية بأكثر من 3 أضعاف نسبة المواد الإيجابية، إذ بلغت نحو 37% في مقابل 11%.

 

وقال المدير العام لمعهد سياسات الشعب اليهودي، الدكتور شوكي فريدمان: «توفر الدراسة نظرة نادرة إلى الطريقة التي يتشكل بها الرأي العام لدى ملايين الأميركيين، من خلال تسليط الضوء على الإعلام المحلي، وهو مستوى إعلامي لم يخضع حتى الآن لدراسة كافية».

 

وأضاف: «توضح الدراسة أنه يمكن أحيانًا رصد التحولات العميقة داخل المجتمع من الساحة المحلية تحديدًا. الرأي العام لا يتغير في يوم واحد، بل يُبنى تدريجيًا عبر آلاف المقالات وأعمدة الرأي والرسائل إلى المحررين».

 

وتابع: «تتيح هذه الدراسة رؤية كيفية تشكل الروايات مع مرور الوقت، ومعرفة الأحداث القادرة على تغييرها، والأحداث التي لا تترك أثرًا يُذكر تقريبًا. وهذه خلاصة مهمة».

 

وأشار إلى أن القضايا الإنسانية تؤثر بقوة في الطريقة التي تُرى بها إسرائيل، مضيفًا: «إنها تذكير بأن معركة الشرعية الدولية في حروب القرن الـ21 تجري بالتوازي مع المعركة العسكرية، وقد تكون أحيانًا مهمة بالقدر نفسه أو أكثر».

 

وختم فريدمان بالقول: «على دولة إسرائيل أن تدير بالتوازي معركة إعلامية سريعة ومهنية وموثوقة. فعندما تترسخ رواية معينة في الرأي العام، يصبح تغييرها لاحقًا بالغ الصعوبة».

 

وتكشف الدراسة أن الضرر الأكبر لصورة إسرائيل لم ينتج من حجم العمليات العسكرية وحده، بل من اللحظة التي تحولت فيها الأزمة الإنسانية إلى صور ومصطلحات ثابتة داخل الوعي الأميركي، لتصبح معركة الغذاء أكثر تأثيرًا في الرأي العام من معركة رفح نفسها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى