سلايدات

الدولة تختبر قدرتها في زوطر الغربية… وتفتيش المنازل قد يفتح توترات مع الأهالي!

لم ينظر الخبير العسكري والعميد المتقاعد بهاء حلال إلى زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب، ولا إلى زيارة قائد الجيش اليوم إلى زوطر الغربية، على أنهما مجرد محطتين بروتوكوليتين، بل رأى فيهما مؤشرًا إلى دخول الدولة اللبنانية مرحلة جديدة عنوانها اختبار قدرتها على إدارة معادلة أمنية وسياسية لم يشهدها لبنان منذ انتهاء حرب تموز عام 2006.

وفي حديث اعتبر حلال أن السؤال الأساسي لا يكمن في ما جرى في زوطر الغربية، وإنما في طبيعة المرحلة التي يراد للبنان أن يدخلها بعد زوطر، مشيرًا إلى أن اختيار البلدة يحمل دلالات تتجاوز بعدها الجغرافي، ولا سيما أن الجيش اللبناني سبق أن أوضح أنها ليست من البلدات المحتلة، بخلاف عدد من القرى الحدودية التي ما زالت تتأثر مباشرة بالاحتلال أو بالنزاع الحدودي.

وأوضح أن اختيار زوطر الغربية يوحي بأن الهدف ليس استعادة أرض محتلة، بل اختبار نموذج أمني وإداري يمكن تعميمه لاحقًا، لتتحول البلدة عمليًا إلى مختبر سياسي وأمني لقياس قدرة الدولة على فرض حضورها وإدارة الواقع الجنوبي. وبرأيه، فإن تزامن زيارة رئيس الحكومة مع زيارة قائد الجيش يشكل رسالة واضحة مفادها أن الدولة قررت الحضور ميدانيًا، وأن المؤسسة العسكرية ستكون الأداة التنفيذية لهذا الحضور.

وفي ما يتعلق بالحديث عن “المناطق التجريبية”، رأى حلال أن هذا المفهوم ليس جديدًا في العلوم الاستراتيجية، إذ تلجأ إليه الدول قبل تعميم سياسات أمنية جديدة لاختبار فعاليتها، لكنه شدد على أن نجاح أي نموذج من هذا النوع لا يُقاس بعدد الحواجز العسكرية أو الدوريات الأمنية، بل بمدى قدرة الدولة على فرض سلطتها، وإدارة علاقتها مع السكان، ومنع الاحتكاك الداخلي، وتنفيذ التفاهمات الدولية مع الحفاظ على السلم الأهلي وثقة المجتمع المحلي.

وتوقف عند مسألة تفتيش المنازل في القرى الجنوبية، معتبرًا أنه في حال اتجهت الدولة إلى تنفيذ عمليات تفتيش استنادًا إلى قرارات قضائية أصولية، فإن التحدي لن يكون قانونيًا فحسب، بل اجتماعيًا ونفسيًا أيضًا، لأن المنزل في المجتمعات الخارجة من الحروب لا يمثل مجرد ملكية خاصة، وإنما يرتبط بالكرامة الجماعية والذاكرة الوطنية، لذلك، شدد على أن أي إجراء أمني يحتاج إلى شفافية في الأساس القانوني، واحترام كامل للإجراءات القضائية، وتنسيق مع السلطات المحلية، إضافة إلى تواصل مباشر مع الأهالي، محذرًا من أن غياب هذه العناصر قد يولد توترات حتى في ظل وجود قبول بمبدأ تطبيق القانون.

وعن استمرار ضبط النفس من جانب المقاومة رغم تواصل الضربات الإسرائيلية، رأى حلال أن لهذا السلوك أكثر من تفسير، فقد يكون مرتبطًا بتجنب حرب شاملة في ظل ظروف إقليمية معقدة، أو بإعطاء فرصة للمسار السياسي والدبلوماسي، أو بإعادة تقييم قواعد الاشتباك، أو بمراعاة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في لبنان.

إلا أنه لفت في المقابل إلى أن هذا الخيار يطرح سؤالًا استراتيجيًا بالغ الحساسية، يتعلق بقدرة أي تنظيم مسلح على الموازنة بين الامتناع عن الرد والمحافظة على معادلة الردع التي يستند إليها، موضحًا أن أدبيات الردع تشير إلى أن ضبط النفس قد يفسره الخصم على أنه خيار سياسي مؤقت، أو قد يعتبره تراجعًا في الإرادة أو القدرة، بينما ينظر إليه الطرف الذي يتبناه باعتباره وسيلة لتجنب مواجهة أوسع، ما يجعل السلوك نفسه قابلًا لتفسيرات متناقضة.

ورأى حلال أن المعادلة اللبنانية لا يمكن اختزالها بشعار “الدولة أو المقاومة”، لأن التجربة اللبنانية أثبتت أن الاستقرار لا يتحقق بإضعاف الدولة، كما لا يتحقق أيضًا بتحويل المجتمع إلى ساحة مواجهة داخلية. وأضاف أن الدولة القوية هي التي تبني ثقة مواطنيها، وأن الجيش القوي هو الذي يمنع وقوع مواجهة بين الدولة وأبنائها، لا الذي ينتصر فيها.

وختم بالتأكيد أن زوطر الغربية قد تكون بداية مرحلة جديدة في الجنوب، لكنها في الوقت نفسه تمثل اختبارًا لقدرة لبنان على إنتاج نموذج وطني يجمع بين سيادة الدولة، واحترام القانون، وحماية السلم الأهلي، محذرًا من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في نجاح أو فشل “المناطق التجريبية”، بل في تحولها إلى مصدر انقسام داخلي فيما يستمر العدوان الإسرائيلي، مشدداً على أن قوة الدولة لا تُقاس بعدد نقاط التفتيش أو المداهمات، بل بقدرتها على جعل القانون محل قبول، والجيش موضع ثقة، والسيادة مشروعًا وطنيًا يجتمع حوله اللبنانيون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى