
لم يكن توقيف السفير الفلسطيني السابق في لبنان أشرف دبور إجراءً قضائياً عابراً أو نتيجة خلاف سياسي محدود داخل السلطة الفلسطينية. فالقضية التي وصلت إلى القضاء اللبناني تستند إلى ملف استرداد رسمي، ومذكرة توقيف فلسطينية، ونشرة حمراء صادرة عن “الإنتربول”، وتحقيقات تتعلق باتهامات باختلاس أموال عامة وتبييض أموال.
ورغم ثقل الملف، اختار رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط نقل القضية من مسارها القضائي إلى السجال السياسي.
وكتب جنبلاط عبر منصة “إكس”: “لماذا تم اعتقال السفير الفلسطيني أشرف دبور، وهل أصبحت السلطة اللبنانية أو بعضها تنفذ أوامر رام الله في تصفية الحسابات الداخلية في لبنان؟”.
لكن موقف جنبلاط فتح باباً لسؤال أكثر مباشرة: لماذا يدافع عن دبور، ولماذا يحاول تقديم القضية على أنها تصفية حسابات داخلية، فيما الإجراءات المتخذة بحقه تستند إلى ملف قضائي رسمي وصل إلى لبنان؟
المحلل السياسي نضال السبع رد على جنبلاط، مشيراً إلى أن دبور متهم باختلاس أموال الشعب الفلسطيني، وأن مذكرة توقيف فلسطينية صدرت بحقه تحت الرقم 542/2025 بتاريخ 30 تشرين الثاني 2025، إضافة إلى نشرة حمراء صادرة عن “الإنتربول” تحمل رقم المراقبة A-17849/12-2025.
وخاطب السبع جنبلاط قائلاً: “إن كان أشرف دبور صديقك، كان من المفترض أن تنصحه بإعادة الأموال إلى الخزينة الفلسطينية، أو أن تسدد عنه الأموال، لا أن تغطيه في السياسة، وأن تصور الأمر على أنه خلافات داخلية”.
وذهب السبع أبعد من ذلك، مرجحاً أن تكون قيادات فلسطينية قد تواصلت مع جنبلاط بهدف التدخل لحماية دبور، خشية أن يؤدي تسليمه والتحقيق معه إلى كشف أسماء أكبر داخل السلطة الفلسطينية.
وبحسب معلومات “ليبانون ديبايت”، فإن خطورة القضية لا تتوقف عند شخص دبور، بل تمتد إلى ما يعرفه عن حركة الأموال والحسابات والملفات التابعة للسفارة الفلسطينية ومنظمة التحرير في لبنان، والجهات التي كانت تشرف على عمله وتتولى الرقابة على قراراته المالية والإدارية.
فالملف يتصل بنحو 12 مليون دولار يُشتبه في اختفائها، وبمسؤوليات مالية لا يمكن حصرها بشخص واحد، أو التعامل معها على أساس أن السفير السابق كان يعمل منفرداً ومن دون مرجعيات سياسية وتنظيمية تشرف عليه.
وتفيد معلومات “ليبانون ديبايت” بأن التحقيق مع دبور قد يفتح ملف التوقيعات المالية وآليات الصرف والجهات التي كانت تمنح الموافقات، إضافة إلى تحديد هوية المسؤولين الذين كانوا يتولون الرقابة الفعلية على الأموال الفلسطينية في لبنان.
فهل كان دبور وحده مسؤولاً عما جرى؟ وهل يمكن أن يختفي مبلغ يناهز 12 مليون دولار من دون أن يثير ذلك انتباه الجهات السياسية والمالية المشرفة؟ ومن كان يدقق في الحسابات ويتلقى التقارير ويوافق على النفقات والتصرف بأموال وأملاك السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير؟
وتشير المعطيات إلى أن خشية بعض القيادات الفلسطينية تكمن في أن تتحول إفادات دبور إلى مدخل لتوسيع التحقيق واستدعاء شخصيات أخرى، أو الوصول إلى حلقات مالية وإدارية أعلى، وهو ما يفسر محاولة احتواء القضية سياسياً وتصويرها على أنها خلاف داخلي.
أما قضائياً، فقد أوقفت القاضية ميرنا كلاس دبور بتاريخ [يُضاف تاريخ التوقيف]، بعد استجوابه على خلفية مذكرة التوقيف والملف المتعلق بالمخالفات المالية.
وجاء القرار بعد وصول ملف استرداده من السلطات الفلسطينية إلى القضاء اللبناني، ما أتاح استجوابه في ضوء الوثائق والمعطيات الواردة في الملف واستكمال الإجراءات القضائية بحقه.




