غير مصنف

“سنضربها”… إيران تضع القواعد الأميركية في أوروبا على لائحة الأهداف

رفع المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي سقف التحذيرات الإيرانية تجاه الدول الأوروبية، معلنًا أن طهران ستعتبر القواعد الأميركية الموجودة على أراضي أي دولة أوروبية تشارك في عمليات عسكرية ضد إيران أهدافًا يمكن ضربها، في موقف يوسّع دائرة التهديد من الشرق الأوسط إلى أوروبا ويأتي وسط تصاعد التوتر العسكري والاقتصادي بين طهران وواشنطن.

وقال بقائي، اليوم الاثنين، إن «إيران ستضرب القواعد الأميركية في الدول الأوروبية في حال شاركت تلك البلدان في العدوان عليها»، مؤكدًا أن بلاده تعتبر أن من حقها استهداف مصدر أي عملية عسكرية تُنفذ ضد أراضيها.

وأضاف أن إيران «لا تقبل أن يضع المعتدي شروط إنهاء الحرب»، معتبرًا أنه لا يوجد سبب يدفع أي دولة إلى الخوف من إيران ما لم تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي أو منشآتها لتسهيل عمليات أميركية تستهدف الجمهورية الإسلامية.

وشدد بقائي على أن طهران، وفق الرواية الإيرانية، لم تبدأ الحرب وإنما لجأت إلى ما تعتبره «حقها المشروع في الدفاع عن النفس»، مؤكدًا أنها لن تقبل بإنهاء المواجهة استنادًا إلى شروط تفرضها واشنطن.

ويأتي التحذير الجديد ليعيد ملف القواعد الأميركية في أوروبا إلى واجهة المواجهة، بعدما كانت إيران قد اتهمت خلال الأشهر الماضية دولًا أوروبية بتقديم تسهيلات عسكرية للقوات الأميركية خلال العمليات ضدها.

وفي حزيران الماضي، اتهم بقائي حلف شمال الأطلسي بالتواطؤ في الحرب على إيران، مستندًا إلى تصريحات للأمين العام للحلف مارك روته قال إن طهران فسرتها على أنها إقرار بمشاركة دول أوروبية في دعم العمليات الأميركية. وكان بقائي قد أشار يومها بشكل خاص إلى إيطاليا ورومانيا ضمن الدول التي اتهمها بالمساهمة في العمليات.

كما برز الملف مجددًا في تموز، عندما وافق البرلمان البلغاري على تمركز مؤقت لطائرات أميركية للتزود بالوقود في قاعدة بيزمر العسكرية، رغم تحذير إيراني من أن استخدام أراضي بلغاريا لدعم العمليات ضد إيران سيجعل صوفيا، من وجهة نظر طهران، شريكة في المواجهة. ورفضت بلغاريا الاتهام الإيراني، مؤكدة أن الخطوة جاءت ضمن ترتيباتها الدفاعية مع الولايات المتحدة.

ويتمركز آلاف العسكريين الأميركيين في عدد من الدول الأوروبية، وتنتشر قواعد ومنشآت عسكرية أميركية رئيسية في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا ودول أخرى، ما يجعل التحذير الإيراني حساسًا بالنسبة إلى الحكومات الأوروبية في حال توسعت العمليات العسكرية أو استُخدمت منشآت على أراضيها بصورة مباشرة في دعم ضربات ضد إيران.

وكانت طهران قد طبقت خلال مراحل سابقة من الحرب المبدأ نفسه في الشرق الأوسط، عندما ردت على ضربات أميركية باستهداف مواقع في دول خليجية تستضيف قوات ومنشآت عسكرية للولايات المتحدة. ففي تموز الماضي، أعلنت إيران شن هجمات باتجاه الكويت والبحرين بعد موجة جديدة من الضربات الأميركية، فيما أعلنت الكويت اعتراض صواريخ ومسيّرات، ورفعت دول خليجية أخرى مستوى التأهب حول المنشآت العسكرية الأميركية.

ويمنح ذلك تصريحات بقائي أهمية أكبر من مجرد تحذير سياسي، إذ سبق لطهران أن أعلنت أن وجود قاعدة أميركية على أراضي دولة أخرى لا يحصّنها من الرد إذا استُخدمت تلك القاعدة في عمليات تستهدف إيران.

وفي ملف المسار الدبلوماسي، أكد بقائي أن إيران استخدمت، بحسب قوله، جميع الأدوات المتاحة لمنع اندلاع الحرب والتوصل إلى تفاهمات سياسية، لكنه اتهم الجانب الأميركي بانتهاك الاتفاقات التي جرى الوصول إليها.

وقال إن مذكرة التفاهم التي أُبرمت بين واشنطن وطهران لم تصمد سوى نحو 3 أسابيع قبل أن تنقض الولايات المتحدة، وفق الرواية الإيرانية، بنودها، مجددًا تحميل واشنطن مسؤولية وصول المواجهة إلى الوضع الحالي.

وتعود الأزمة الحالية إلى تعثر مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران بعد أشهر من القتال ومحاولات التوصل إلى تسوية. وكان الطرفان قد اقتربا في أيار وحزيران من إطار تفاهم يتضمن وقف العمليات وترتيبات مرتبطة بمضيق هرمز والبرنامج النووي وملفات أخرى، قبل أن تنهار التهدئة ويعود التصعيد العسكري.

وفي 17 آب، صعّدت إيران تحذيراتها مجددًا، ملوّحة بالانتقال إلى وضع عسكري «هجومي بالكامل» في حال فشل المساعي الدبلوماسية، فيما رفضت الولايات المتحدة تمديد الترتيبات السابقة، ما أعاد الطرفين إلى مرحلة مفتوحة على التصعيد.

أما في ملف مضيق هرمز، فرفض بقائي الرواية الأميركية التي تتحدث عن عبور ملايين البراميل من النفط يوميًا عبر الممر البحري، واعتبرها جزءًا من «الحرب النفسية»، مؤكدًا أن الواقع الميداني مختلف عما تعلنه واشنطن.

ووصف الحصار البحري الأميركي المفروض على إيران بأنه «عمل عدواني»، محذرًا من أن أي تصعيد إضافي في هذا المجال ستكون له تداعيات، في وقت لا تزال فيه حركة الملاحة عبر المضيق أقل بكثير من مستوياتها الطبيعية، وسط خلاف حاد بين طهران وواشنطن بشأن الجهة التي تتحكم فعليًا بمسارات العبور.

وتؤكد واشنطن أن قواتها البحرية تستطيع تأمين حركة السفن عبر هرمز، بينما تصر إيران على أن المضيق لا يزال خاضعًا لقيودها. وأعلنت السلطات الإيرانية، اليوم الاثنين، قواعد جديدة لعبور السفن، محذرة من أن مخالفتها قد تعرض السفن للغرامة أو الاحتجاز أو حتى المصادرة.

وفي المقابل، رفعت إدارة الرئيس دونالد ترامب مستوى الضغط الاقتصادي على طهران، إذ أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن واشنطن تستعد لفرض ما وصفه بـ«أقسى العقوبات في التاريخ» على إيران، بالتوازي مع تهديد ترامب الدول التي تواصل دعم الاقتصاد الإيراني بعواقب اقتصادية.

ورد بقائي بأن الولايات المتحدة تستخدم الأدوات الاقتصادية لمعاقبة الإيرانيين، معتبرًا أن ما تصفه واشنطن بـ«الحرب الاقتصادية» يمثل بالنسبة إلى طهران حصارًا يستهدف الاقتصاد الإيراني، ومؤكدًا أن الحكومة تعمل على تخفيف الضغوط المعيشية التي تواجه السكان.

وبالتوازي مع التصعيد، تشهد طهران حراكًا دبلوماسيًا إقليميًا مكثفًا. فقد وصل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى العاصمة الإيرانية في إطار جهود الوساطة بين واشنطن وطهران، فيما يستعد وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي لزيارة إيران الثلاثاء لمواصلة المشاورات بشأن أمن مضيق هرمز وطرق عبور السفن.

وأكد بقائي أن زيارة البوسعيدي لا ترتبط مباشرة بزيارة منير، وأن تزامنهما جاء من الناحية الزمنية فقط، موضحًا أن المحادثات مع الوزير العُماني ستتناول العلاقات الثنائية والأمن البحري وترتيبات الملاحة في المضيق.

كما وصف العلاقات الإيرانية–الباكستانية بأنها تمر في واحدة من أفضل مراحلها، مشيرًا إلى وجود إرادة لدى البلدين لتوسيع التعاون، في وقت تحاول فيه إسلام آباد لعب دور الوسيط لإعادة طهران وواشنطن إلى مسار التفاوض.

وبين التهديد بضرب قواعد أميركية في أوروبا، والتحذير من تداعيات تشديد الحصار البحري، والمساعي العُمانية والباكستانية لفتح نافذة تفاوض، تعكس تصريحات بقائي معادلة إيرانية تجمع بين رفع مستوى الردع العسكري وترك الباب مفتوحًا أمام الدبلوماسية، فيما يبقى الخطر الأكبر متمثلًا في انتقال المواجهة إلى دول جديدة إذا استُخدمت قواعد أميركية خارج الشرق الأوسط في أي عمليات مقبلة ضد إيران.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى