
ليس الحكم الصادر في بنت جبيل بتعديل اسم وجنس امرأة عابرة جنسياً في قيود الأحوال الشخصية هو الخبر بحد ذاته، فقد صدر القرار في وقت سابق. لكن السجال الذي استمر بعده كشف مشكلة أكبر: لبنان لا يملك قانوناً واضحاً ينظم الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية، فيما يترك مصير أصحاب هذه الحالات لاجتهادات قضائية قد تختلف من محكمة إلى أخرى.
وكان القاضي المنفرد المدني الناظر في قضايا الأحوال الشخصية في بنت جبيل وسيم زهر الدين قد وافق على تعديل اسم صاحبة العلاقة والجنس المسجل في قيودها من ذكر إلى أنثى، مستنداً إلى تقارير طبية ونفسية وإلى المادة 21 من المرسوم رقم 8837 الصادر عام 1932، بعدما اعتبر أن بقاء القيد على حاله لم يعد يعكس واقعها ويعرّضها للإحراج والتمييز.
وتنص المادة 21، بعد تعديلها عام 1944، على أنه “لا يجوز تصحيح شيء مدرج في السجلات إلا بمقتضى حكم من المحكمة الصلحية يصدر بحضور مأمور النفوس أو مندوبه، فيما عدا الأحوال القابلة للتغيير كالصنعة والمذهب والدين وتغيير محل الإقامة وما شاكل ذلك، فهذه يجري تصحيحها من قبل دوائر النفوس دونما حاجة إلى حكم محكمة”.
لا تتحدث المادة عن تغيير الجنس صراحة، كما أنها لا تمنعه صراحة. إنها تميّز بين بيانات يمكن تعديلها إدارياً، مثل المهنة والمذهب والدين ومحل الإقامة، وبيانات أخرى لا يمكن المساس بها إلا بحكم قضائي. وبما أن الجنس والاسم من البيانات الأساسية التي يجب أن تتضمنها وثيقة الولادة، ولا يردان ضمن لائحة البيانات القابلة للتغيير إدارياً، يصبح القضاء الطريق الوحيد المتاح أمام صاحب العلاقة.
هنا يبدأ الفراغ الحقيقي. فالقانون أعطى القاضي صلاحية “تصحيح” القيد، لكنه لم يحدد ما إذا كان التصحيح يقتصر على إصلاح خطأ كان موجوداً لحظة تسجيل الولادة، أم يمكن أن يمتد إلى جعل السجل مطابقاً للواقع الجسدي والنفسي والاجتماعي الذي أصبح عليه الشخص لاحقاً. كما لم يضع شروطاً موحدة أو لائحة أدلة طبية ونفسية أو آلية خاصة تحدد آثار التعديل على الزواج والإرث والنسب وسائر مسائل الأحوال الشخصية.
وهذا الخلاف لم يحسمه القضاء اللبناني نفسه. فقد تبنت بعض غرف محكمة التمييز تفسيراً ضيقاً يعتبر أن التصحيح لا يشمل إلا الخطأ الذي رافق التسجيل الأصلي، وأن واقعة طرأت لاحقاً لا تكفي لاستبدال البيانات الرسمية. في المقابل، اتجهت غرف أخرى إلى مفهوم أوسع، معتبرة أن غاية التصحيح هي جعل القيد مطابقاً للحقيقة والواقع، وأن الخطأ لا ينحصر بهفوة مادية ارتُكبت لحظة تدوين السجل.
وفي قرار صدر عام 2021، اعتبرت محكمة التمييز أن التصحيح لا يقتصر على الأخطاء التي تقع عند التسجيل، بل يمكن أن يشمل الاختلاف بين القيد والواقع. وهذا الانقسام يجعل النتيجة مرتبطة بالمحكمة التي تنظر في الطلب، وبالتفسير الذي تتبناه، وبنوع الأدلة التي يقتنع بها القاضي.
كما أن حكم بنت جبيل ليس الأول من نوعه في لبنان، خلافاً لما جرى تداوله. ففي 3 أيلول 2015، أصدرت الغرفة الثالثة في محكمة استئناف بيروت قراراً أجاز تعديل الجنس والاسم في السجلات الرسمية، بعدما فسخت حكماً ابتدائياً كان قد رد الطلب. كذلك صدر في المتن عام 2018 حكم قضى بتصحيح الجنس من أنثى إلى ذكر، إلى جانب تعديل الاسم وبعض البيانات المرتبطة بالحالة الشخصية.
واستندت بعض هذه الأحكام إلى حماية الحياة الخاصة، معتبرة أن إبقاء الأوراق الرسمية مخالفة لهوية الشخص وواقعه يضطره إلى كشف أكثر تفاصيل حياته خصوصية في كل مرة يبرز فيها هويته أمام حاجز أمني أو إدارة عامة أو مصرف أو مستشفى أو رب عمل.
وتجد هذه القراءة أساساً في المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحظر التدخل التعسفي أو غير القانوني في الحياة الخاصة، وفي مقدمة الدستور اللبناني التي تنص على التزام لبنان مواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتجسيد هذه المبادئ “في جميع الحقوق والمجالات دون استثناء”.
كذلك تنص المادة 7 من الدستور على أن “كل اللبنانيين سواء لدى القانون، وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم”. ولا تعني هذه النصوص أنها تمنح تلقائياً حقاً مطلقاً في تعديل الجنس، لكنها تفرض على الدولة معالجة التمييز والمشكلات الناتجة من وجود مواطن لا تتطابق أوراقه مع واقع حياته.
في المقابل، يعترض قانونيون على توسيع مفهوم التصحيح، معتبرين أن المادة 21 وُضعت لإصلاح الأخطاء في السجلات لا لإنشاء مركز قانوني جديد بعد الولادة. ويحذرون من انعكاسات التعديل على الزواج والإرث والنسب والحضانة، ويرون أن تنظيم مسألة بهذا الحجم يجب أن يصدر عن مجلس النواب، لا أن يُحسم بأحكام متفرقة.
هذا الاعتراض يطرح مشكلة قانونية جدية، لكنه لا يجيب عن المعضلة اليومية. فرفض تعديل القيد لا يعيد الشخص إلى حالته المسجلة عند الولادة، بل يتركه عالقاً بين هوية يعيش بها وأخرى تفرضها عليه أوراقه، ويحوله إلى موضع اشتباه أو إحراج كلما أراد السفر أو العمل أو تلقي العلاج أو إجراء أبسط معاملة رسمية.
ولا يعني حكم بنت جبيل أن أي شخص أصبح قادراً على تغيير بياناته بإرادة منفردة. فالقرار عالج حالة فردية استندت إلى ملف طبي ونفسي وظروف خاصة، وهو يبقى خاضعاً لطرق المراجعة القانونية ولا يشكل تشريعاً عاماً أو قاعدة ملزمة لجميع المحاكم.
كما لا يجوز أن يتحول النقاش القانوني إلى محاكمة علنية لصاحبة العلاقة أو إلى نشر صورها وتفاصيل حياتها الخاصة. فموضوع النقاش هو حدود صلاحية القاضي وتفسير المادة 21 وآثار الحكم، لا تحويل إنسان إلى مادة للتشهير أو الفضول.
لقد ترك مجلس النواب هذا الملف بلا تنظيم، رغم مرور أكثر من 10 سنوات على صدور قرار استئنافي لبناني أجاز تعديل الجنس والاسم. وبذلك وجد القاضي نفسه أمام شخص يطلب من الدولة الاعتراف بواقع موثق طبياً ونفسياً، وأمام قانون عمره نحو قرن لا يقدم جواباً واضحاً.
فإذا وافق القاضي، اتُّهم بتجاوز صلاحياته والتشريع مكان البرلمان. وإذا رفض، بقي صاحب الطلب أسير أوراق لا تشبهه، ومعرضاً للتمييز وكشف خصوصيته في كل معاملة.
المطلوب ليس تشريعاً متسرعاً ولا تجاهلاً للتعقيدات الدينية والاجتماعية والقانونية، بل قانون دقيق يحدد الحالات والشروط والأدلة والمرجع المختص وطرق الطعن، وينظم آثار تعديل القيد على الزواج والإرث والنسب والسجل العدلي، ويحمي استقرار القيود الرسمية بقدر ما يحمي كرامة الأفراد.
فالمشكلة لم تعد في جرأة حكم صدر في بنت جبيل، بل في دولة امتنعت عن التشريع وتركت القاضي وحيداً أمام قضية لا يستطيع تجاهلها. وحين يغيب القانون، لا يعود السؤال لماذا اجتهد القاضي، بل لماذا تُرك ليشرّع مكان الدولة؟




