
من صندوق سيادي يُعدّ من الأكبر في العالم إلى استثمار عالق في قلب فضيحة مالية غير مسبوقة في تركيا، وجد صندوق الثروة النرويجي، الذي يدير أصولًا تقترب قيمتها من 2.4 تريليون دولار، نفسه مكشوفًا على أسهم شركات ارتبطت بتحقيق احتيال يهز بورصة إسطنبول، بعد تجربة مثيرة للجدل مع مدير استثمارات محلي أدت إلى فتح أسئلة حول الرقابة وإدارة المخاطر.
وبحسب تقرير للصحافية ميراف أراد في موقع “Bizportal”، بنى صندوق الثروة النرويجي مكانته كأحد أكبر المستثمرين في العالم على معادلة تقوم على التنويع الواسع، والاحتفاظ بحصص صغيرة في آلاف الشركات، والابتعاد عن الرهانات الكبرى على سهم واحد أو سوق محددة. إلا أن التجربة التركية أظهرت أن حتى المحفظة المتنوعة قد تواجه تعقيدات، بعدما ظهر أن الصندوق يمتلك أسهمًا في شركات ارتبطت بالتحقيق الجاري في إسطنبول.
وبدأت علاقة الصندوق بالقضية قبل انكشافها بشكلها الحالي، إذ يعتمد في عدد من الأسواق الناشئة على مديري استثمارات خارجيين. وفي تركيا، أوكل إدارة محفظة تبلغ قيمتها نحو 600 مليون دولار إلى شركة الاستثمار المحلية “إسطنبول بورتفوي”، انطلاقًا من أن المدير المحلي يكون أكثر معرفة بالشركات وأصحاب الحصص المسيطرة وديناميات السوق.
وفي تشرين الثاني الماضي، ظهرت أول إشارة تحذير، بعدما فرضت الهيئة الرقابية التركية غرامة على شريك كبير في شركة الاستثمار على خلفية التلاعب بأسهم شركتين محليتين. وبعد أسابيع قليلة، أنهى الصندوق النرويجي تعاونه مع الشركة، لكن جزءًا من انكشافه على السوق التركية بقي قائمًا من خلال محفظته العالمية.
وتتركز القضية حاليًا في قطاع صناديق الاستثمار التركية، بعدما شددت الهيئة التنظيمية المحلية القواعد المفروضة على الصناديق التي كانت تمتلك نسبًا مرتفعة من أسهم ضعيفة السيولة، ما أجبر عددًا منها على تنفيذ عمليات بيع. وفي الوقت نفسه، شهد السوق موجة طلبات استرداد من المستثمرين، الأمر الذي وضع بعض المديرين أمام صعوبات في توفير الأموال بالسرعة المطلوبة.
وفي منتصف أيلول، جرى تعليق التداول في 131 صندوقًا تابعًا لـ7 شركات إدارة، من بينها “تيرا” و”بوسولا”، وأُحيلت هذه الصناديق إلى إجراءات التصفية. ووفق البيانات المنشورة، تشمل القضية 455,758 مستثمرًا وأصولًا تُقدّر قيمتها بما بين 16 و18 مليار دولار.
وتأتي التطورات في ظل بيئة استثمار استثنائية تشهدها تركيا، حيث دفعت معدلات التضخم المرتفعة على مدى سنوات المستثمرين المحليين إلى البحث عن أصول قادرة على الحفاظ على قيمة مدخراتهم، فيما حققت بعض الأسهم والصناديق عوائد ضخمة خلال فترات زمنية قصيرة.
ومن أبرز الأمثلة سهم مجموعة “تيرا”، الذي ارتفع بنحو 40,000% منذ إدراجه في البورصة عام 2022. وكانت شركة الوساطة التابعة للمجموعة قد امتلكت في مرحلة معينة نحو 95% من أسهم حوض بناء السفن “أوزاتا”، قبل أن ترتفع قيمته السوقية إلى نحو 5 مليارات دولار، متجاوزة قيمة “فورد أوتوسان”، إحدى كبرى شركات صناعة السيارات في تركيا.
ويركز تحقيق النيابة العامة في إسطنبول على آلية تصفها بأنها شبيهة بنظام “بونزي”. وحتى الآن، جرى توقيف 45 مشتبهًا به، بينهم رئيس مجلس إدارة مجموعة “تيرا” إمراه تزمان، فيما استقالت نائبة رئيس الحزب الحاكم بالتزامن مع مزاعم تتعلق بتداول الأسهم.
وأثرت القضية سريعًا على السوق، إذ خسر مؤشر الأسهم في بورصة إسطنبول أكثر من 11% خلال أسبوعين، متراجعًا إلى أدنى مستوى له في نحو 6 أشهر. كما خسرت 55 شركة مدرجة أكثر من 30% من قيمتها خلال أسبوع واحد، في مؤشر يعكس حجم الضغوط التي أصابت الأسهم الصغيرة والأقل سيولة.
أما بالنسبة إلى صندوق الثروة النرويجي، الذي حوّل عائدات النفط في البلاد إلى مدخرات تعادل نحو 400 ألف دولار لكل مواطن، فإن انكشافه على السوق التركية لا يمثل سوى جزء ضئيل من محفظة تتجاوز قيمتها تريليونات الدولارات.
وعليه، تبقى الخسارة المالية المباشرة محدودة قياسًا إلى حجم الصندوق، إلا أن الأثر الأكثر حساسية يتركز في ملفي الحوكمة والرقابة، إذ وجد صندوق معروف بتشديده على معايير الاستثمار الصارمة نفسه يتعامل مع مدير محلي فُرضت عليه غرامة بسبب التلاعب، وفي الوقت ذاته يحتفظ بأسهم شركات ارتبطت بقضية أوسع نطاقًا.
وتنضم هذه التطورات إلى سلسلة من الحالات التي تُظهر المخاطر الكامنة خلف العوائد الاستثنائية والمستمرة، على غرار سهم سبق أن وعد بعائد سنوي بلغ 28% قبل أن ينهار.
وتتجه الأنظار الآن إلى تقرير الحيازات المقبل للصندوق النرويجي، الذي سيُظهر الحجم الدقيق لانكشافه على تركيا، إضافة إلى المراجعة المقبلة لمؤشرات “MSCI” والتغييرات المحتملة في تركيبة مؤشرات بورصة إسطنبول، وهي عوامل قد تؤثر بدورها في حركة الأموال الأجنبية نحو السوق.
وبين صندوق سيادي بحجم 2.4 تريليون دولار وبورصة تعيش واحدة من أعقد قضاياها، تكشف التجربة التركية أن حجم الاستثمار وتنوعه لا يمنعان دائمًا الوقوع في اختبار صعب عندما تتداخل السيولة والحوكمة والمضاربات في سوق واحدة.


