
وضعت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي ملف المدرسة الرسمية أمام معادلة واضحة: لا تعافٍ للبنان من دون إنقاذ التعليم الرسمي، لكن استمرار هذا القطاع يتطلب إعادة تنظيم جذرية، وضبطاً للهدر، وإدارة تقوم على الأرقام لا على الاجتهادات.
وخلال لقاء عقدته مع مديري المدارس في الشمال، بحضور أركان الوزارة، عرضت كرامي رؤية وزارة التربية حتى عام 2040، مشددة على أن الهدف لم يعد مجرد إدارة الأزمة، بل الانتقال من منطق الإغاثة المؤقتة إلى بناء قطاع تعليمي قادر على الصمود والاستمرار.
وأوضحت أن الدول التي تغرق في أزمات متلاحقة تجد صعوبة في الخروج من عقلية الطوارئ، فيما المطلوب، بحسب كرامي، “التفكير من خارج الأزمة” وبناء رؤية تتجاوز الحلول الآنية، لافتة إلى أن رؤية 2040 تشكل أيضاً أداة للتفاوض مع الجهات المانحة وتوجيه الدعم إلى الأولويات الفعلية للمدرسة الرسمية.
وأكدت أن الطالب هو محور العملية التربوية، وأن تطوير التعليم يمر عبر تحسين التعليم نفسه، وتأهيل البنى التحتية، وإعداد الهيئات التعليمية والإدارية، وتعزيز الشراكات المجتمعية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هوية كل منطقة وخصوصيتها.
وكشفت كرامي أن موازنة الدولة الحالية تكفي عملياً لدفع رواتب العاملين في القطاع التربوي الرسمي، فيما تعتمد أعمال الترميم والتحسين وتجهيز المدارس بالطاقة الشمسية وأجهزة الكمبيوتر على شراكات مع جهات دولية، بينها “اليونسكو” و”اليونيسف” و”GIZ” والاتحاد الأوروبي.
وحددت الوزيرة مجموعة أهداف استراتيجية للوزارة، تبدأ بتأمين التعليم والتعلم للجميع ومعالجة الفاقد التعليمي، مروراً بتوفير بيئة مدرسية آمنة ومجهزة بالتكنولوجيا، وصولاً إلى التحول الرقمي وتحديث الأنظمة الإدارية، وإعداد الكادر التعليمي والإداري، وتخفيف الاعتماد على الجهات المانحة عبر توسيع الشراكات المجتمعية وإعطاء المديرين مساحة أكبر لاستقطاب الدعم بالتنسيق مع الاغتراب والجمعيات المحلية.
وفي ملف التماسك الاجتماعي، شددت على أن المناهج الجديدة يجب أن تشكل مساحة لإعادة بناء الروابط داخل مجتمع أنهكته الحروب والأزمات.
أما في الشمال وعكار، فكشفت كرامي أن عدد الطلاب في المدارس والثانويات الرسمية يبلغ نحو 109 آلاف طالب، أي ما يعادل 35% من طلاب التعليم الرسمي في لبنان.
وأوضحت أن الوزارة عمدت إلى تقسيم المناطق التربوية إلى تجمعات مدرسية ضمن نطاق يبلغ قطره 15 كيلومتراً، بهدف ضمان عدالة توزيع الموارد والمساعدات، ومنع حصر المنح في عدد محدود من المدارس، على أن تستفيد المدارس الواقعة ضمن كل تجمع من الموارد والتجهيزات المتوافرة فيه.
كما تهدف هذه التجمعات إلى تنظيم التشكيلات والمناقلات وتوزيع الموارد البشرية بصورة أكثر شفافية وعدالة.
وفي موازاة ذلك، شددت كرامي على أن الوزارة تخوض مساراً واسعاً لرقمنة البيانات وضبطها، بما يسمح بمعرفة أعداد الطلاب والمعلمين وتوزعهم، وتحديد المدارس التي استفادت من المساعدات وتلك التي لم تستفد، إضافة إلى رصد الأبنية الخطرة وتلك التي تحتاج إلى ترميم.
وكشفت أن نسبة التسجيل هذا العام تقترب من 99% من إجمالي عدد الطلاب المسجلين في العام الدراسي الماضي، معتبرة أن الحفاظ على هذا المستوى يشكل مؤشراً مهماً إلى قدرة المدرسة الرسمية على الصمود رغم الأزمة.
وفي طرابلس، أوضحت أن المحافظة تضم 6 تجمعات مدرسية تتفاوت في أحجامها، بعضها يضم 9 مدارس، وبعضها الآخر 16 أو 22 أو 30 مدرسة، وقد أُخذت في الاعتبار طبيعة المناطق والكثافة السكانية وسهولة الوصول إلى المدارس.
وأشارت إلى أن الوزارة سلّمت خرائط منطقة الميناء إلى جهة مانحة لإنشاء مجمعات تربوية، فيما انطلق مشروع آخر في منطقة شكا، بالتوازي مع تمويل جديد لإنشاء مجمعات مدرسية إضافية.
وفي ملف المدارس التي استُخدمت لإيواء النازحين، قالت كرامي إن المشكلة حُلّت في معظم المناطق، ولم يتبقَّ سوى 104 مدارس، من بينها 37 مدرسة في محافظة طرابلس، موضحة أن أسماءها رُفعت إلى مجلس الإنماء والإعمار لمعالجة الأضرار وإزالة آثار استخدامها كمراكز إيواء.
كما أعلنت أن مشروع إعادة التأهيل الممول من الصندوق الكويتي عبر “اليونيسف” يشمل تجهيز 58 مدرسة في طرابلس بأنظمة للطاقة الشمسية، فيما تنتظر 39 مدرسة أخرى زيارات تقييمية لتحديد أهليتها للاستفادة من البرنامج.
وتوقفت كرامي عند أزمة المدارس المستأجرة في طرابلس والشمال، موضحة أن الوزارة شكلت لجنة لمتابعة عقود الإيجار وتسوية أوضاعها القانونية، في ظل تمسك بعض المالكين بحقوقهم ورفضهم أحياناً تجديد العقود، ما قد يفرض نقل الطلاب والأساتذة أو إخلاء بعض الأبنية وحتى إغلاق المدرسة في حال تعذر إيجاد بديل.
وفي ما يتعلق بالكادر الإداري، كشفت أن المشروع شمل 620 مديراً ومديرة على مستوى الشمال، بينهم 116 في محافظة الشمال ونحو 30 في طرابلس، موضحة أن الدفعة الأولى ضمت 80 مديراً، فيما تجري مقابلات دفعة ثانية تضم 80 مديراً آخر.
كما يجري التحضير لإطلاق دفعة ثانية من المقابلات في أواخر تشرين الثاني، بالتزامن مع تأمين تمويل بالتعاون مع “اليونيسف” والجامعة اللبنانية لإخضاع نحو 300 مدير ومديرة لدورات تدريبية متخصصة.
وفي ملف تسجيل الطلاب، دعت كرامي مديري المدارس إلى الإسراع في استكمال التسجيل لتثبيت الأعداد وتكوين صورة دقيقة عن الواقع، مشيرة إلى أن الوزارة اختارت التريث في ملف العقود حتى تتمكن من ضمان الالتزامات المالية، مؤكدة أن الهدف هو ألا يعمل أحد من دون راتب.
لكن النقطة الأكثر حساسية في كلام وزيرة التربية تمثلت في ملف الهدر داخل القطاع الرسمي.
فكرامي كشفت أن الوزارة أعادت دراسة واقع الصفوف ذات الأعداد القليلة والتشعيب، بعدما كان البنك الدولي قد وجّه ملاحظات إلى لبنان بشأن وجود صفوف لا تضم سوى 10 أو 11 طالباً.
وقالت إن الوزارة شككت بداية في تلك الأرقام ودافعت عن خصوصية المناطق اللبنانية، لكنها عندما أجرت دراستها الخاصة توصلت إلى النتائج نفسها.
وأشارت إلى أن الجهات المانحة تطالب لبنان بإثبات قدرته على ترشيد الإنفاق كشرط للاستمرار في الحصول على الدعم، ولا سيما مع اقتراب انتهاء جزء من التمويل المرتبط بأزمة النزوح السوري.
ومن هنا، بدأت الوزارة، وفق كرامي، بدراسة المدارس التي يقل عدد طلابها عن 50 طالباً.
وكشفت أن كلفة الطالب الواحد في بعض المدارس الرسمية التي لا يكتمل فيها النصاب قد تتراوح بين 5,000 و8,000 دولار سنوياً، في حين أن الكلفة في مدرسة تطبق النظام الداخلي بصورة سليمة لا تتجاوز نحو 800 دولار.
وقالت بوضوح إن هذا الفارق يعكس “هدراً هائلاً لم يعد بالإمكان السكوت عنه”.
ولفتت إلى أن استمرار هذا الواقع قد يدفع الجهات المانحة إلى طرح خيارات بديلة عن تمويل المؤسسات التي تعتبرها غير قادرة على ضبط إنفاقها، بينها تقديم مساعدات مباشرة إلى العائلات لإرسال أولادها إلى مدارس خاصة بدلاً من ضخ الأموال في مؤسسات تعاني هدراً مرتفعاً.
ومع ذلك، شددت كرامي على أن إعادة التنظيم لا تعني إقفال المدرسة الرسمية أو التخلي عنها، مؤكدة أن الاستثناءات ستبقى قائمة في المناطق النائية التي لا يتوافر فيها أي بديل تربوي.
وقالت إن الوزارة لن ترسل أولاد قرية نائية إلى منازلهم فقط لأن عددهم قليل، لكنها في المقابل مضطرة إلى إثبات قدرتها على إدارة القطاع بكفاءة، وخفض الهدر، واستعادة ثقة الجهات المانحة للحصول على الموارد اللازمة.
وختمت كرامي بالتشديد على أن هدفها منذ تسلمها الوزارة كان دعم المدرسة الرسمية وإظهار نجاحاتها وإعطائها أفقاً جديداً، مؤكدة: “أنا مصرة على أن نهضة لبنان وصحة لبنان وتعافيه لا تكون إلا من خلال مدارسه وثانوياته الرسمية”.
لكن الوصول إلى هذه الغاية، وفق كرامي، يمر أولاً بإعادة تنظيم القطاع، وضبط إنفاقه، وإثبات أن الدولة قادرة على إدارة المدرسة الرسمية بكفاءة وحماية دورها في مستقبل لبنان.




