
تتجه السياسة الأميركية في الشرق الأوسط نحو تحوّل قد يكون جذرياً، بعدما كشفت الهزيمة القاسية للجمهوريين في الانتخابات النصفية عن تنامي الغضب الشعبي من الحرب على إيران والدعم الأميركي لإسرائيل، وسط مؤشرات إلى مراجعة الرئيس دونالد ترامب بعض سياساته، وانقسام متصاعد داخل الحزب الجمهوري بشأن العلاقة مع تل أبيب.
وبحسب تقرير للصحافية أبيغيل هاوسلونر في صحيفة “فايننشال تايمز”، فإن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس سارع إلى تحميل الحرب على إيران مسؤولية الهزيمة، معلناً عبر منصة “إكس” أن “سبب خسارتنا هو الحرب”، ومقرّاً بأن منتقدي قرار مهاجمة إيران كانوا على حق.
وقد أعاد دونالد ترامب جونيور نشر موقف فانس، في خطوة عكست حجم التحولات داخل المعسكر الجمهوري، وربما محاولة مبكرة من نائب الرئيس للتمايز عن ترامب استعداداً لانتخابات 2028.
وتأتي هذه المواقف بعدما حقق الديمقراطيون انتصاراً واسعاً يمنحهم أغلبية كبيرة في مجلسي النواب والشيوخ اعتباراً من كانون الثاني المقبل، ما قد يفتح الباب أمام ضغوط لوقف الحرب على إيران، وإنهاء المساعدات الأميركية غير المشروطة لإسرائيل، وعرقلة مشاريع تعميق التعاون الصناعي الدفاعي بين البلدين.
وقال السيناتور الديمقراطي بيتر ويلش إن موقفاً مشتركاً من المعارضة وانعدام الثقة بات يسود داخل الحزب الديمقراطي تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته، معتبراً أن الأسس التاريخية للعلاقة الأميركية الإسرائيلية قد تضررت بصورة عميقة، بعدما كانت تقوم على دعم إسرائيل باعتبارها دولة ديمقراطية يهودية وحليفاً استراتيجياً في منطقة حيوية لإمدادات النفط.
ولفت التقرير إلى أن الغضب من الحرب على غزة ودور نتنياهو في دفع واشنطن نحو الحرب على إيران، المستمرة منذ 9 أشهر، كان عاملاً بارزاً في الانتخابات، وأسهم في انتزاع الديمقراطيين مقاعد جمهورية في ولايات مثل تكساس وكانساس وكارولاينا الجنوبية.
وفي تطور لافت، أعلن ترامب يوم الانتخابات، عبر مقابلة مع “فوكس نيوز”، اعتزامه وقف المساعدات العسكرية السنوية لإسرائيل، البالغة 3.8 مليارات دولار، بحلول نهاية عام 2026، معتبراً أنها تحولت إلى عبء سياسي، ومتسائلاً عن سبب تحمّل الانتقادات بسبب مساعدات لا تحتاج إليها إسرائيل.
غير أن التقرير أشار إلى أن تنفيذ هذا القرار لا يزال غير مضمون، في ظل تقلب مواقف ترامب. وكان الرئيس قد أكد للصحيفة أنه لا يعتزم شن هجمات جديدة على إيران في الوقت الراهن، رغم تنفيذ ضربة أميركية يوم الاثنين وتهديده باستهدافها مجدداً.
وقد تراجعت أسعار النفط عقب تصريحات فانس، وسط توقعات بأن يؤدي الانتصار الديمقراطي إلى تسريع إنهاء الحرب، خصوصاً أن الدستور الأميركي يمنح الكونغرس صلاحيات تتعلق بالحرب والإنفاق، رغم احتفاظ الرئيس بصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية.
ويبرز التحول بصورة خاصة في ولاية ميشيغان، حيث فاز الديمقراطي عبد السيد بمقعد في مجلس الشيوخ، بعدما ربط ارتفاع تكاليف المعيشة بالحرب على إيران والمساعدات لإسرائيل، رغم محاولات ترامب والجمهوريين تصويره بوصفه متطرفاً ومعادياً للسامية.
وفي خطاب فوزه، وجّه عبد السيد انتقاداً حاداً إلى لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية “أيباك”، قائلاً: “إلى أيباك التي أنفقت 42 مليون دولار ضدنا، شكراً لأنكم منحتموني فرصة هزيمتكم مرتين”، في إشارة إلى دعمها خصمه في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية أيضاً.
وتكشف استطلاعات الرأي حجم التراجع في التأييد الأميركي لإسرائيل، إذ أظهر استطلاع لمركز “بيو” في تموز أن 62% من الأميركيين يحملون نظرة سلبية إلى الحكومة الإسرائيلية اليمينية، بينهم أغلبية ساحقة من الديمقراطيين، إضافة إلى غالبية الجمهوريين الذين تقل أعمارهم عن 39 عاماً.
لكن هذا التحول يهدد بإشعال مواجهة داخل الحزب الجمهوري نفسه، خصوصاً بعدما اتهم الممول الجمهوري البارز كليفورد أسنيس نائب الرئيس فانس بمحاولة “إلقاء اللوم على اليهود”، على خلفية انتقاداته للحرب والعلاقة مع إسرائيل.
وكان فانس، المنتمي إلى الجناح الانعزالي في الحزب، قد أبدى سابقاً تحفظات على طبيعة العلاقة الاستثنائية بين واشنطن وتل أبيب، محذراً إسرائيل في حزيران من أن الولايات المتحدة هي “حليفها القوي الوحيد”. كما امتنع عن إدانة المعلق اليميني تاكر كارلسون، الذي اتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية وروّج، بحسب التقرير، لخطابات معادية للسامية.
ونقل التقرير عن ندى الحنوطي، المسؤولة في منظمة “إمغيج” المعنية بتعزيز المشاركة السياسية للمسلمين الأميركيين، أن نتائج الانتخابات تمثل تحولاً كبيراً، وأن الجمهوريين سيضطرون إلى مراجعة سياساتهم إذا أرادوا استعادة الرئاسة والكونغرس عام 2028، مشيرة إلى أن إسرائيل كانت عاملاً رئيسياً في النتائج، خصوصاً في ميشيغان.
وفي المقابل، يستعد الجناح التقدمي الديمقراطي، مدفوعاً بفوز شخصيات مثل عبد السيد، لخوض مواجهة مع القيادة التقليدية للحزب بشأن إسرائيل، بعدما أصبحت القضية الفلسطينية محوراً متقدماً في النقاش السياسي الأميركي.
وبينما أكد عبد السيد في خطاب النصر أن الأطفال الفلسطينيين يستحقون أن يكبروا على أرض أجدادهم من دون أن يُقتلوا بأموال دافعي الضرائب الأميركيين، اعتبر السيناتور ويلش أن التغيير الجاري سيتصاعد.
وهكذا، لا تبدو نتائج الانتخابات النصفية مجرد هزيمة داخلية لترامب، بل مؤشراً إلى اهتزاز التوافق الأميركي التقليدي حول إسرائيل، واحتمال انتقال تداعياتها مباشرة إلى الحرب على إيران ومستقبل التحالف بين واشنطن وتل أبيب، في تحوّل قد يعيد رسم سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.




