
كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد.
في الأزمات الكبرى، لا تُقاس الدول فقط بما تقوله، بل بما تثبته على الأرض. فالكلمات تصبح جزءًا من المعركة، والتصريحات تتحول إلى أدوات ضغط ومناورة، وقد يصبح الخطاب نفسه ساحة مواجهة لا تقل أهمية عن الميدان.
ما يلفت النظر في المشهد الأميركي–الإيراني هو التباين في أسلوب الخطاب. فمن جهة، نسمع تصريحات أميركية تتأرجح بين التهديد والتصعيد، ثم الانتقال إلى رسائل تهدئة وحديث عن فرص تفاهم. هذا التبدل المستمر في النبرة يطرح سؤالًا أساسيًا: هل نحن أمام تحول حقيقي في السياسة، أم أمام إدارة للأزمة عبر كسب الوقت ورفع سقف الشروط؟
فعندما تتغير الرسائل بسرعة، تتراجع الثقة لدى المتابعين، لأن السياسة الدولية لا تُبنى فقط على النوايا المعلنة، بل على وضوح الهدف واستقرار الموقف. فالطرف الذي يرسل إشارات متناقضة يجعل الآخرين يتساءلون: هل ما نراه اتفاقًا حقيقيًا أم مجرد محطة مؤقتة في صراع طويل؟
وفي المقابل، يبدو الخطاب الإيراني أكثر ثباتًا من حيث العناوين الكبرى: عدم تقديم تنازلات تحت الضغط، التمسك بالأوراق التي يملكها، والمضي في التفاوض من موقع يحاول أن يظهر فيه أنه لا يتراجع. وهذا الثبات يمنح انطباعًا بالتماسك، لكن الثبات في الخطاب لا يعني بالضرورة أن كل ما يجري خلف الكواليس مطابق لما يُعلن أمام الرأي العام؛ فالدول تفاوض أحيانًا بوجه، وتدير حساباتها بوجه آخر.
إذا كان هناك تفاهم أميركي–إيراني، فمن الصعب اعتباره اتفاقًا استراتيجيًا نهائيًا في هذه المرحلة. الأرجح أنه تفاهم مرحلي لإدارة الصراع، لأن الطرفين يدخلان إليه بأهداف مختلفة: واشنطن تريد قيودًا واضحة وضمانات، وطهران تريد تخفيف الضغط والحفاظ على قدرتها على المناورة. وبين الهدفين تبقى مساحة واسعة للخلاف.
لكن يبقى السؤال الأصعب: ماذا لو بقي هذا التفاهم محصورًا بين واشنطن وطهران، بينما استمر الميدان في مكان آخر؟
ماذا لو واصلت إسرائيل التصعيد أو شنّت ضربات جديدة، بينما يُقال إن لبنان غير معني مباشرة بأي تفاهم؟ عندها يبرز السؤال: ما مصير أي طرف مرتبط بهذا الصراع، وما قيمة الاتفاق إذا لم يمنع انتقال النار إلى ساحات أخرى؟
فإذا كان الاتفاق لا يشمل كل الأطراف التي تتأثر به أو تؤثر فيه، فقد يتحول إلى تفاهم هش، يخفف التوتر في مكان لكنه يترك أبواب الانفجار مفتوحة في أماكن أخرى. وهنا يصبح الاختبار الحقيقي: هل هو اتفاق لإنهاء التصعيد، أم مجرد تفاهم لإدارة مرحلة؟
وقد تكون فكرة ربط المرحلة بمحطات زمنية كبرى جزءًا من حسابات كسب الوقت. فالتاريخ مليء بمراحل “اللاحرب واللاسلم” التي لم تكن سلامًا، بل فترة لإعادة ترتيب الأوراق والاستعداد للجولة التالية.
لذلك فإن المعيار الحقيقي ليس كثرة التصريحات، ولا هدوء اللهجة، بل ما سيحدث على الأرض: هل تتوقف خطوات التصعيد؟ هل تتحول التفاهمات إلى آليات واضحة ومتبادلة؟ وهل تشمل تداعياتها كل الدول التي تدفع الثمن؟
وفي النهاية يبقى السؤال الذي يتجاوز حسابات القوى الكبرى: متى تتحول هذه الصراعات من لعبة نفوذ بين الكبار إلى سلام حقيقي يحمي الدول والشعوب، لا إلى هدنة مؤقتة تنتظر الجولة المقبلة؟
ويبقى السؤال الأهم : “هل يوجد اتفاق؟” وهل “الاتفاق قادر أصلًا على ضبط الواقع الذي يتجاوزه؟”



