
بين مؤشرات صمود بعض القطاعات واستمرار نزيف الخسائر في أخرى، يدخل الاقتصاد اللبناني مرحلة اختبار جديدة لا ترتبط فقط بتداعيات الحرب، بل بقدرته على استعادة الثقة وإعادة تحريك عجلة الاستثمار والاستهلاك، فخلف تراجع المبيعات وانخفاض الأرباح وخسارة فرص اقتصادية بمليارات الدولارات، تقف آلاف الشركات أمام تحدي البقاء، فيما يبقى التعافي مرتبطًا بشروط تتجاوز قدرة القطاع الخاص وحده.
عام صعب على الشركات… والاقتصاد يدفع الثمن
أكد رئيس تجمع الشركات اللبنانية ضمن الهيئات الاقتصادية الدكتور باسم البواب، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أن “هذه السنة لا تُعدّ سنة جيدة على الشركات ولا على الاقتصاد اللبناني عمومًا، إذ إن بداية العام كانت إيجابية خلال الشهرين الأولين، قبل أن تعود الأوضاع إلى التراجع مع اندلاع الحرب خلال أشهر آذار ونيسان وأيار، ما انعكس سلبًا على مختلف القطاعات”.
الأساسيات تصمد… والكماليات تتراجع
وأوضح أن “المبيعات تراجعت، كما انخفضت الأرباح، وتكبدت قطاعات عدة خسائر، مع الإشارة إلى أن قطاع المواد الغذائية والأساسيات، من بنزين وأدوية وأغذية وغيرها، بقي بمنأى نسبيًا عن هذا التراجع، باعتبار أن هذه القطاعات تشكل نحو 40% من الاقتصاد اللبناني، مع استيرادات تقارب 8 مليارات دولار سنويًا، وهي قطاعات حافظت على استقرارها، بل شهد بعضها زيادة في الاستهلاك نتيجة ارتفاع أعداد المقيمين”.
وأضاف: “المشكلة الأساسية تكمن في القطاعات المرتبطة بالكماليات أو حتى بعض السلع المعمرة، مثل المنازل والسيارات والمفروشات والإلكترونيات، إذ إن المبيعات فيها تأخرت بشكل كبير بسبب الظروف الراهنة”.
خسائر بمليارات الدولارات وتراجع في الناتج المحلي
وأشار البواب إلى أن “شهري حزيران وتموز كانا أفضل بكثير من الأشهر الثلاثة السابقة، إلا أن الاقتصاد اللبناني لا يزال يتراجع، ومن المتوقع أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المئة، بعدما بلغ نحو 40 مليار دولار العام الماضي، ليعود إلى حدود 35 مليار دولار تقريبًا، ما يعني خسارة فرص اقتصادية كبيرة”.
ولفت إلى أن “القطاع الخاص خسر هذا العام أكثر من 5 مليارات دولار، وهذه الخسائر تتوزع على آلاف الشركات، حيث تتحمل كل شركة جزءًا من الأعباء بحسب حجمها وطبيعة نشاطها”.
قطاعات بين الصمود والضرر… والزراعة في الواجهة
وعن واقع القطاعات، قال البواب: “ليست كل القطاعات متشابهة، فالقطاعات الأساسية لا تزال تعمل بشكل جيد، أما الصناعة فلم تتأثر بالدرجة نفسها، وبعض المناطق تضررت لكنها بدأت تستعيد نشاطها تدريجيًا”.
وأضاف أن “القطاع الزراعي تعرض لأضرار كبيرة، خصوصًا في الجنوب، لناحية الدواجن والمواشي والأراضي الزراعية، إضافة إلى الأضرار الناتجة عن الحرائق والقصف وتأثيراته على الأشجار والغابات”.
السياحة والتجارة تحت ضغط تراجع الإنفاق
وتابع: “أما القطاع السياحي فتضرر بشكل مباشر، ففي الأشهر الأولى من العام لم يكن هناك حركة سياحية فعلية، ثم بدأ التحسن خلال حزيران وتموز، إلا أن أعداد الوافدين عبر المطار لا تزال أقل من المستوى المتوقع”.
وأوضح أن “دخول نحو 15 ألف شخص يوميًا عبر المطار يبقى أقل من المعدل الذي كان يفترض أن يتراوح بين 20 و25 ألفًا، وقد انعكس ذلك على المطاعم والفنادق وتأجير السيارات والمرافق السياحية، حيث أقفل عدد كبير من المؤسسات أو يعمل بنسبة أقل بكثير من طاقته السابقة”.
وأشار إلى أن “التجارة تأثرت أيضًا، إذ إن المواطنين يركزون اليوم على شراء الأساسيات، في ظل ارتفاع كلفة المعيشة والتضخم وارتفاع أسعار المحروقات، ما انعكس على القدرة الشرائية، خصوصًا مع ارتفاع أقساط المدارس والجامعات”.
الاستقرار والإصلاحات شرط العودة إلى النمو
ولفت البواب إلى أن “الاقتصاد اللبناني خسر ما بين 5 و6 مليارات دولار من الفرص الاقتصادية، إضافة إلى خسارة عشرات آلاف الوظائف خلال الحرب، واستعادة هذه الوظائف لن تكون سهلة ما لم يتحقق الاستقرار الفعلي”.
وشدد على أن “عودة النمو تتطلب انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب، ووضوح الرؤية السياسية والأمنية، وعودة الاستثمارات، إضافة إلى استكمال الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وإقرار الإصلاحات المطلوبة، ومنها إصلاح القطاع المصرفي ومعالجة الفجوة المالية”.
قطاع مصرفي سليم لإعادة تحريك الاقتصاد
وأكد البواب أن “هذه السنة لم تعد قابلة لأن تكون سنة جيدة، فالخسائر وقعت، لكن يمكن العمل على الحد منها خلال الأشهر المقبلة، والأهم هو الانطلاق من سنة جديدة برؤية واضحة، من دون حروب أو خسائر إضافية، لأن القطاع الخاص والشركات اللبنانية لم تعد قادرة على تحمل مزيد من التأخير”.
وختم بالتأكيد أن “الأساس هو وجود قطاع مصرفي سليم قادر على إعادة تحريك الاقتصاد، وتمويل الاستثمارات، وتمكين المواطنين من العودة إلى دورة الاستهلاك الطبيعية، بما يسمح بعودة عجلة الاقتصاد إلى العمل بشكل سليم”.




