
في تعيين مفاجئ يحمل أبعادًا عائلية وسياسية، اختيرت دارلين غراهام نوردون، شقيقة السيناتور الجمهوري الراحل ليندسي غراهام، لتولي مقعده في مجلس الشيوخ الأميركي بصورة مؤقتة، بعدما أيّد الرئيس دونالد ترامب شخصيًا منحها المنصب، في خطوة أثارت قلقًا في أوكرانيا من أن يؤدي غياب غراهام إلى إضعاف علاقتها المباشرة بالرئيس الأميركي.
وبحسب تقرير نشرته القناة “N12” الإسرائيلية، أعلن حاكم ولاية كارولاينا الجنوبية هنري ماكماستر تعيين نوردون خلفًا لشقيقها في مجلس الشيوخ، على أن تشغل المنصب حتى انتهاء ولايته الحالية في كانون الثاني المقبل، رغم عدم امتلاكها خبرة سياسية سابقة.
وبعد وقت قصير من إعلان التعيين، قال زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ جون ثون إن نوردون ستؤدي اليمين مساء اليوم، وفق توقيت إسرائيل، لتصبح بذلك أول امرأة تمثل ولاية كارولاينا الجنوبية في مجلس الشيوخ الأميركي.
وقالت نوردون خلال مؤتمر صحافي، فيما وقف خلفها عشرات من موظفي شقيقها ومستشاريه وكان بعضهم يبكي: “إنه لشرف كبير جدًا. كان ليندسي دائمًا إلى جانبي، والآن سأكون أنا إلى جانبه”.
وكان غراهام قد توفي بصورة مفاجئة مساء السبت عن 71 عامًا، ويُرجح أن وفاته ناجمة عن تمزق في الشريان الأبهر. ولم يتزوج غراهام أو يؤسس عائلة، إلا أن شقيقته بقيت إلى جانبه طوال مسيرته السياسية، وظهرت معه في خطابات ومناسبات عامة، كما شاركت في عدد من إعلاناته الانتخابية.
واتسمت العلاقة بين الشقيقين بخصوصية استثنائية، إذ توفي والداهما بفارق يزيد قليلًا على عام، ليصبح غراهام، وكان يبلغ حينها 22 عامًا، الوصي القانوني على شقيقته البالغة 13 عامًا.
وفي مرحلة لاحقة، عندما كان يعمل محاميًا في سلاح الجو، تبنّى شقيقته رسميًا حتى تتمكن من الاستفادة من الامتيازات العسكرية التي كان يحصل عليها.
وسبق لنوردون أن روت أن شقيقها عانقها يوم وفاة والدهما، ووعدها بأنه “سيبقى دائمًا إلى جانبها ويعتني بها”، مؤكدة أنه لم يخلف هذا الوعد يومًا.
وحتى خلال العام الحالي، عندما قدّم غراهام أوراق ترشحه لخوض الانتخابات سعيًا إلى ولاية خامسة في مجلس الشيوخ، وقفت نوردون إلى جانبه برفقة أبنائها وأحفادها.
وبعد تعيينها، خاطبت شقيقها الراحل بتأثر قائلة: “ليندسي، أفتقدك أكثر مما يمكن وصفه بالكلمات، لكنني سأفعل ذلك وسأتجاوز هذه المرحلة”.
وأوضح ماكماستر أنه تحدث إلى نوردون في الساعات الأولى من صباح الأحد، بعد وقت قصير من وفاة غراهام، وطلب منها قبول المنصب، لافتًا إلى أنه تأثر بالسرعة التي استجابت بها لدعوة الخدمة العامة.
وأضاف أن الرئيس دونالد ترامب اعتبر التعيين فكرة ممتازة، وأبدى دعمه له في وقت سابق من اليوم نفسه، بعدما كان قد كتب في اليوم السابق داعيًا ماكماستر إلى تكليف نوردون بالمنصب بصورة مؤقتة.
وعملت نوردون اختصاصية في قياس البصر وقطاع البصريات، كما شغلت وظائف في عدد من الوكالات الحكومية في كارولاينا الجنوبية، بينها لجنة المكفوفين ووزارة التوظيف والقوى العاملة في الولاية.
ومن المقرر أن يشهد الشهر المقبل انتخابات تمهيدية خاصة داخل الحزب الجمهوري لاختيار مرشح جديد يخوض الانتخابات العامة في تشرين الثاني على مقعد غراهام، بعدما فتحت وفاته الباب أمام منافسة داخلية بين عدد من أبرز السياسيين في الولاية.
وفي موازاة تداعيات التعيين داخل الولايات المتحدة، تلقّت أوكرانيا نبأ وفاة غراهام بصدمة كبيرة، إذ كان السيناتور قد زار كييف قبل يومين فقط من وفاته، وأعرب خلالها عن تفاؤله بإمكان إقرار حزمة عقوبات اقتصادية مشددة ضد روسيا، وهي مبادرة عمل على دفعها طوال سنوات بالتعاون مع السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنتال.
وكان غراهام قد قال إنه يعتزم العودة إلى واشنطن والاجتماع بقيادتي الحزبين لدفع الاقتراح قدمًا.
وأفادت وكالة “أسوشيتد برس” بأن الوفاة المفاجئة أثارت مخاوف لدى القيادة الأوكرانية من فقدان أحد أبرز حلفائها في واشنطن، ولا سيما أنه كان يتمتع بإمكانية وصول مباشرة إلى الرئيس ترامب.
ووصف أولكسندر ميريجكو، عضو البرلمان عن حزب الرئيس فولوديمير زيلينسكي، وفاة غراهام بأنها “خسارة هائلة وغير متوقعة على الإطلاق”.
وقال: “كان شخصًا لا يمكن تعويضه، ولا أعرف حتى من يستطيع أن يكون مهمًا لنا بقدر أهميته داخل محيط ترامب”.
وأضاف ميريجكو أن غراهام شكّل أقرب حلقة وصل بين أوكرانيا وزيلينسكي وترامب، محذرًا من أن موقع كييف بالقرب من الرئيس الأميركي قد يضعف بعد رحيله.
من جهته، قال زيلينسكي إنه “حزين جدًا” لوفاة غراهام، مشيرًا إلى أن السيناتور زار أوكرانيا 10 مرات منذ بدء الغزو الروسي الشامل، وكان إلى جانب الأوكرانيين في الأوقات التي كانوا فيها في أمسّ الحاجة إلى الدعم.
وكتب زيلينسكي: “كنا في حوار دائم، وسنفتقد ذلك كثيرًا”، موضحًا أنه التقى غراهام مرتين خلال الأسبوع الماضي، الأولى على هامش قمة حلف شمال الأطلسي، والثانية أثناء زيارته لكييف.
كما وصف رئيس البرلمان الأوكراني رسلان ستيفانتشوك غراهام بأنه “صديق مخلص لأوكرانيا”، معربًا عن أمله في استمرار المساعي التي قادها لفرض عقوبات أشد على روسيا حتى بعد وفاته.
وخلال السنوات الأخيرة، تحوّل غراهام إلى إحدى الشخصيات المحورية في العلاقة بين أوكرانيا ومعسكر ترامب، فرغم اعتماد كثير من مؤيدي الرئيس الأميركي نهجًا أكثر انعزالية وتشددًا تجاه كييف، واصل السيناتور دعم أوكرانيا بصورة ثابتة ومعارضة روسيا والدفع نحو استمرار الانخراط الأميركي.
وترى أوساط أوكرانية أن العثور على بديل يستطيع أداء الدور الفريد الذي لعبه غراهام، مستفيدًا من ثقة ترامب ووصوله المباشر إليه، سيكون مهمة شديدة الصعوبة، ما يثير مخاوف من تراجع قدرة كييف على التأثير في الإدارة الأميركية.
وبين تعيين عائلي أوصى به ترامب وسباق سياسي بدأ مبكرًا في كارولاينا الجنوبية، لا يقتصر الفراغ الذي خلّفه غراهام على مقعد في مجلس الشيوخ، بل يمتد إلى قناة اتصال كانت أوكرانيا تعدّها إحدى أهم بواباتها إلى البيت الأبيض.




