
فتح الرئيس السابق لجهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك” يورام كوهين جبهة سياسية وأمنية واسعة، منتقداً بشدة اعتماد إسرائيل المتزايد على الولايات المتحدة، ومحذراً من تحولها إلى ما وصفه بـ”دولة وصاية”، بالتوازي مع دعوته إلى تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث 7 تشرين الأول، وتوجيهه رسالة مباشرة إلى رئيس الشاباك الحالي دافيد زيني بضرورة الحفاظ على استقلال الجهاز وعدم تنفيذ أي طلب غير قانوني حتى لو صدر عن رئيس الحكومة.
وبحسب مقابلة أجراها كوهين مع غدعون أوكو ونيسيم مشعال عبر إذاعة “103FM”، فإن الرئيس السابق للشاباك، الذي انضم خلال الأسابيع الأخيرة إلى العمل السياسي تحت مظلة حزب “ياشار!” برئاسة غادي آيزنكوت، عرض مواقفه من الوضع السياسي والأمني في إسرائيل، إضافة إلى تعهّد آيزنكوت بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاق 7 تشرين الأول، ووجّه سلسلة نصائح إلى دافيد زيني.
وفي مستهل المقابلة، تطرق كوهين إلى الجولات التي يجريها أعضاء حزب “ياشار!” في ظل تكثيف الجهود لاستقطاب الناخبين مع اقتراب الانتخابات، وقال: “نحن نبذل جهوداً للوصول إلى جماهير جديدة. عدد كبير من أعضاء القائمة يصعدون خلال الأيام المقبلة، وقد بدأنا بالفعل أمس. غادي كان في كرميئيل مع رؤساء مجالس للحديث عن مشروع قاده شاؤول مريدور يتعلق بإعادة إعمار الشمال”.
وأضاف: “سأكون في هضبة الجولان وفي غيشر هزيف، وسألتقي الناس بهدف التأثير ومحاولة منح الأمل لأشخاص جرى إهمالهم في الشمال، وكذلك الحديث عن الخطط التي نريد تنفيذها، سواء على مستوى الدولة عموماً أو في الشمال تحديداً، والعمل على تعزيزهم”.
وانتقل كوهين إلى المواجهة بين البيت الأبيض والقدس بشأن خطة النقاط الـ15 التي وضعها “مجلس السلام” لمستقبل قطاع غزة، في ضوء إعلان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن إسرائيل لا تقبل المبادرة.
وقال كوهين: “انتقلنا من النصر المطلق إلى المراوحة المطلقة. لدينا بلادة استراتيجية في جميع الجبهات. الجبهات مفتوحة. نحن لسنا مستقلين في اتخاذ قراراتنا، وللأسف الشديد، رغم أن الأميركيين أصدقاء جيدون لنا وساعدونا وتعاونوا معنا، فإنهم يتخذون قرارات من فوق رؤوسنا، وأحياناً من دون مشاركتنا في المفاوضات”.
ورأى أن وصول الأمور إلى حد أن يقرر زعيم دولة أجنبية موجود وراء البحار قرارات مصيرية تتعلق بجدول الأعمال الإسرائيلي هو أمر “محزن جداً”، مضيفاً: “لكن هذه هي الحقيقة. جزء من المشكلة أننا لم ننجح في صياغة خطة تخدم مصالحنا الأمنية. فُرضت علينا قرارات مختلفة، وتحولنا إلى دولة في طريقها لأن تصبح دولة وصاية، سواء في الجنوب أو في الشمال”.
وطالب كوهين بتغيير هذا الواقع، قائلاً: “علينا أن نغيّر ذلك، سواء في الجانب الاستراتيجي أو في العلاقة مع الأميركيين، وكذلك عبر تقديم حلول جديدة وربما أكثر واقعية للتحديات الأمنية التي تواجهنا”.
كما تطرق إلى التزام رئيس حزب “ياشار!” غادي آيزنكوت بأن يكون القرار الأول لأي حكومة برئاسته إعلان تشكيل لجنة تحقيق رسمية، وقال كوهين إن “لجنة تحقيق رسمية هي أمر كان يجب أن يؤيده 100% من الجمهور”.
وأضاف: “في مجزرة بهذه القسوة، ومع هذا الضرر الدراماتيكي الذي أصاب دولة إسرائيل، والذي سنظل نحمل تداعياته السلبية لسنوات طويلة جداً، يجب التحقيق أولاً لمعرفة ما الذي لم يعمل، وثانياً لفحص ما الذي يجب فعله كي لا يتكرر هذا الأمر”.
وفي جزء آخر من المقابلة، تناول كوهين أداء رئيس الشاباك الحالي دافيد زيني، قائلاً: “أعتقد أن على زيني أن يقدّر ما فعله في الجيش كجنرال، لكن الجهاز هو مؤسسة مختلفة، مدنية، وتمتلك قدرات كبيرة، وهي تعمل في الساحة الفلسطينية وكذلك داخل دولة إسرائيل”.
وشدد على أن زيني “ملزم بالحفاظ على الطابع الرسمي وغير السياسي للجهاز، حتى لو طلب منه رئيس الحكومة القيام بأمور غير قانونية”.
وأضاف كوهين: “أعتقد أن هناك تصدعات في بعض قراراته، وآمل أن ينجح في وقفها. أولاً تصريحاته، وثانياً قضايا مثل الحماية الأمنية. لا أعتقد أن الأمر غير قابل للإصلاح. وأعتقد أن الحماية الممنوحة لعائلة نتنياهو تذهب بعيداً. هناك فرق بين رئيس الحكومة وأفراد عائلته”.
ويأتي موقف كوهين في وقت سبق أن قدم، قبل نحو عام، إفادة خطية ضمن التماس تقدمت به “الحركة من أجل جودة الحكم”، أكد فيها ما نُشر بشأن طلب نتنياهو منه العمل على سحب التصنيف الأمني من نفتالي بينيت عندما كان وزيراً في حكومته، وهي إفادة تعامل قانونياً كشهادة أمام المحكمة.
وكتب كوهين للقضاة أنه خلال عام 2013 جرى استدعاؤه إلى اجتماع في مكتب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وكان حاضراً أيضاً المستشار القضائي للحكومة يهودا فاينشتاين والسكرتير العسكري لرئيس الحكومة، الجنرال إيال زامير.
وأوضح في إفادته: “أبلغ رئيس الحكومة نتنياهو خلال الاجتماع أنه، في ضوء بدء التحضيرات لعملية حساسة كنت على علم بها في دولة عدوة، يعتزم تكليف الشاباك مسؤولية مراقبة جميع المطلعين على سر العملية باستخدام أدواته الاستخباراتية، وذلك حتى انتهاء العملية”.
وفي واقعة أخرى قال كوهين إنها حدثت عام 2014، روى: “حين كنت أشغل منصب رئيس الجهاز، استدعاني رئيس الحكومة، عضو الكنيست بنيامين نتنياهو، إلى غرفته، وكان الاجتماع على انفراد”.
وتابع: “قال لي رئيس الحكومة إنه علم أخيراً أن نفتالي بينيت، الذي كان في ذلك الوقت وزيراً وعضواً في المجلس الوزاري المصغر، أُبعد من وحدة سايريت متكال عندما كان مقاتلاً بسبب مشكلة تتعلق بالموثوقية. فسألت رئيس الحكومة لماذا يطلعني على هذه المعلومة القديمة”.
وأضاف كوهين في إفادته: “أجاب رئيس الحكومة بأن الشخص الذي تبين أنه غير موثوق لا يمكنه المشاركة في اجتماعات المجلس الوزاري المصغر ولا الاطلاع على معلومات سرية. ولذلك قال لي رئيس الحكومة نتنياهو إنه يتوقع مني، بصفتي رئيساً للشاباك، أن أعمل على سحب تصنيفه الأمني”.
وقال كوهين إنه أجاب نتنياهو فوراً: “لا أنوي القيام بذلك بأي شكل من الأشكال”، مضيفاً أن رئيس الحكومة أشار بيده بحركة تدل على الإلغاء وقال له: “إذاً، انسَ الأمر كله”.
وختم كوهين إفادته بالقول إن “المعلومة التي قدّمها لي رئيس الحكومة في ذلك الاجتماع بشأن الوزير آنذاك بينيت تبين أنها بلا أساس”.
وتضع تصريحات كوهين مجدداً العلاقة بين المستوى السياسي وجهاز الشاباك تحت المجهر، لكنها تذهب أبعد من ذلك لتفتح نقاشاً أوسع داخل إسرائيل بشأن حدود استقلال القرار الأمني، وحدود تأثير واشنطن، ومدى قدرة المؤسسات الأمنية على مقاومة الضغوط السياسية عندما تصبح القرارات الحساسة موضع صراع مباشر.




