
في الضفة الغربية، لم تعد الاعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم تبدو دائماً كأفعال فردية معزولة. فالمشهد المتكرر من اقتحام القرى، وتحطيم الممتلكات، وإحراق المنازل والمزارع، والاعتداء على المزارعين، وترهيب السكان، يطرح سؤالاً أخطر من مجرد سؤال الأمن: هل نحن أمام فوضى منفلتة، أم أمام واقع تستفيد منه منظومة سياسية وأمنية واستيطانية كاملة؟
وتزداد خطورة هذا السؤال عندما يكون المعتدون من فئة المراهقين أو القُصَّر، أو عندما يُقدَّمون للرأي العام باعتبارهم شباناً مضطربين أو يصعب ضبطهم. فالقاصر الذي يرتكب اعتداءً لا يتحول تلقائياً إلى أداة سياسية. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التفسير إلى غطاء دائم للإفلات من المسؤولية، بينما يدفع الفلسطينيون الثمن من أمنهم وبيوتهم وأراضيهم ومصدر رزقهم.
معادلة غريبة: المعتدي يحتاج إلى الحماية والمعتدى عليه يحتاج إلى الحماية منه
في بعض المشاهد التي تتكرر في الضفة الغربية، يظهر نمط بالغ الدلالة: مجموعة من المستوطنين الشباب تهاجم قرية أو أرضاً زراعية، تحطم الممتلكات و تحرقها أو تقتلع الأشجار أو ترهب السكان، ثم تصل القوى الأمنية الإسرائيلية.
لكن السؤال هنا ليس فقط: ماذا تفعل الشرطة؟
السؤال الأهم هو: من الذي يتم إبعاده، ومن الذي يبقى أمام الخسارة؟
إذا كان المعتدي قاصراً، أو جرى تقديمه باعتباره شاباً مضطرباً أو غير قادر على ضبط سلوكه، فقد يصبح التعامل معه أقرب إلى احتواء حادثة فوضوية منه إلى فتح مسار جنائي وسياسي كامل. وفي النهاية قد يخرج المعتدي من المكان، بينما تبقى الأرض مدمرة، والمزرعة محروقة، والأشجار مقطوعة، والأسرة الفلسطينية أمام خسارة لا يمكن إصلاحها بسهولة.
وهنا تكمن خطورة الظاهرة: ليس ضرورياً أن يكون هناك أمر مكتوب يقول (اذهبوا ودمروا هذه القرية) حتى تنتج الأفعال الفردية، إذا تكررت، أثراً سياسياً يخدم هدفاً أكبر.
من الاعتداء إلى تغيير الواقع على الأرض
الاستيطان لا يعتمد فقط على إقامة بؤرة جديدة أو بناء منزل جديد. هناك أيضاً ما يمكن تسميته (هندسة الخوف).
عندما يصبح المزارع الفلسطيني غير قادر على الوصول إلى أرضه، وعندما يخشى على أبنائه أو مواشيه أو محصوله، وعندما تصبح الطريق إلى حقله محفوفة بالاعتداءات، فإن الأرض تفقد تدريجياً قدرتها على إعالة صاحبها.
وهنا ينتقل الصراع من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على إمكانية البقاء فيها.
قد لا يُطلب من الفلسطيني في كل حالة أن يغادر أرضه بقرار رسمي. يكفي أحياناً أن تصبح الحياة فيها مستحيلة: اعتداءات متكررة، تدمير للممتلكات و إحراقها ، تهديد، قطع أشجار، منع من الوصول إلى الأراضي، ثم غياب حماية فعالة أو محاسبة رادعة.
وعندما يرحل السكان تحت ضغط هذه الظروف، تصبح النتيجة على الأرض واحدة: أرض أُفرغت من أصحابها وأصبحت أكثر قابلية للاستيطان والسيطرة.
القُصَّر والمرضى النفسيون: هل يتحول الاضطراب إلى درع قانوني؟
هنا تظهر واحدة من أكثر النقاط حساسية.
وجود مراهق مضطرب نفسياً أو قاصر يرتكب أعمال عنف فالقانون يفترض معاملته وفق قواعد خاصة، ويأخذ في الاعتبار سنه وحالته النفسية.
لكن هذا لا يلغي مسؤولية الدولة عن حماية الضحايا ومنع تكرار الاعتداء.
فالمرض النفسي، إن ثبت، ليس ترخيصاً للاعتداء على الآخرين، والقِصر لا يعني أن الدولة تستطيع تجاهل الضحية. وفي كل نظام قانوني مسؤول، يفترض أن تكون هناك آليات تجمع بين حماية القاصر، وتقييم حالته، ومساءلته بالقدر الذي يسمح به القانون، والأهم منع استمرار الخطر الذي يشكله على الآخرين.
أما إذا تحولت صفة (قاصر) أو (مضطرب نفسياً) إلى وسيلة تمنع المحاسبة الفعلية، فيما تستمر الاعتداءات وتتكرر الأضرار، فإن المشكلة تصبح أكبر من سلوك فردي.
تصبح المشكلة في فعالية منظومة إنفاذ القانون نفسها.
الأخطر من الفاعل: البيئة التي تسمح بتكرار الفعل
في التحليل السياسي والأمني، لا يجوز النظر إلى مئات الحوادث المتكررة باعتبارها مجرد حوادث منفصلة إلى الأبد.
السؤال العلمي هو: هل هناك نمط؟
هل تتكرر الاعتداءات في مناطق محددة؟
هل تستهدف الأراضي الزراعية والممتلكات بصورة متكررة؟
هل تؤدي الاعتداءات إلى نزوح أو إلى فقدان القدرة على الوصول إلى الأرض؟
هل تتم محاسبة المعتدين بصورة رادعة؟
هل تحمي السلطات الضحايا فعلياً؟
وهل يستفيد المستوطنون أو جهات أخرى في النهاية من الأرض التي أصبح أصحابها الأصليون غير قادرين على الوصول إليها؟
إذا كانت الإجابات تشير إلى نمط متكرر، فإننا لا نعود أمام قضية (شبان مشاغبين) فقط، بل أمام ظاهرة سياسية وأمنية تستحق التحقيق والتوثيق والمساءلة.
القانون الدولي لا يحاكم العمر وحده
ومن المهم هنا تصحيح فكرة شائعة: القاصر لا يتمتع بحصانة مطلقة أمام القانون الدولي لمجرد أنه قاصر.
لكن قواعد عدالة الأحداث تختلف جذرياً عن محاكمة البالغين، كما أن المسؤولية الجنائية الفردية أمام المحاكم الدولية لها شروطها ومعاييرها، ولا يمكن افتراض أن كل اعتداء يرتكبه مراهق سيؤدي تلقائياً إلى ملاحقته أمام محكمة دولية.
ولهذا فإن المسؤولية الأخطر قد لا تكون دائماً مسؤولية المراهق نفسه.
إذا ثبت أن بالغين أو جهات منظمة حرَّضوا على الجرائم، أو سهَّلوا ارتكابها، أو وفَّروا الحماية للمعتدين، أو امتنعوا عمداً عن منعها ومحاسبة مرتكبيها رغم معرفتهم بها، فإن دائرة المسؤولية تصبح أوسع بكثير من هوية الشاب الذي حمل الحجارة أو أضرم النار. هذا عدا أنه إذا كان فعلاً هؤلاء القُصَّر مضطربين و يصنفون مرضى نفسيين .
وهنا تحديداً يجب أن تنتقل العدسة من القاصر إلى منظومة القرار والحماية والإفلات من العقاب.
حين تتحول (الفوضى) إلى وسيلة للسيطرة
أخطر ما يمكن أن يحدث في الضفة الغربية هو أن تصبح الفوضى نفسها أداة سياسية.
مستوطن يعتدي.
قاصر يحطم.
مجموعة تحرق.
قوة أمنية تصل.
يتم إبعاد المعتدين أو احتواؤهم.
ثم تعود الحياة إلى ظاهرها الطبيعي.
لكن بالنسبة للفلسطيني، لا شيء يعود إلى طبيعته.
الشجرة التي اقتُلعت لا تعود.
المنزل الذي حُطم لا يعود كما كان.
المزرعة التي دُمرت تحتاج سنوات حتى تستعيد إنتاجها.
والخوف الذي زرع في الأسرة لا يختفي بخروج المعتدي من المكان.
وهكذا يمكن لسلسلة من الاعتداءات الصغيرة، إذا تكررت وتراكمت، أن تنتج تغييراً كبيراً في الجغرافيا والديموغرافيا.
وهذا هو جوهر المسألة.
ليست القضية في أن هناك مراهقاً لا يمكن السيطرة عليه.
القضية هي: هل توجد منظومة تسمح لهذا المراهق، أو لغيره، بأن يصبح أداة ضغط على شعب بأكمله؟
السؤال الذي يجب أن يطرح دولياً
المجتمع الدولي لا ينبغي أن يكتفي بالسؤال: (من أحرق؟ ومن كسر؟ ومن اعتدى؟)
بل عليه أن يسأل أيضاً:
لماذا تتكرر الاعتداءات؟
لماذا لا تكون حماية الفلسطينيين من الاعتداءات فعالة؟
هل تتم محاسبة المعتدين بصورة رادعة؟
هل يؤدي العنف المتكرر إلى إخلاء الفلسطينيين من أراضيهم؟
ومن يستفيد من النتيجة النهائية؟
فإذا أثبت التحقيق المستقل وجود علاقة منهجية بين العنف الاستيطاني وبين إفراغ الأراضي الفلسطينية من سكانها، فإن القضية لا تعود مجرد ملف جنائي عن (مراهقين مشاغبين).
إنها تصبح قضية تتعلق بالاستيطان، والتهجير القسري، والتمييز، وواجب الدولة في حماية السكان الواقعين تحت الاحتلال، واحتمال قيام مسؤوليات جنائية وسياسية على مستويات أعلى.
المشكلة ليست في عمر المعتدي، ولا في حالته النفسية وحدها.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح عجز الدولة عن ضبط المعتدي أكثر كلفة على الضحية من الاعتداء نفسه.
لكن من الواضح أن هذا عمل ممنهج من قبل مجموعات تستيطانية متشددة بغطاء من الأجهظة الأمنية الإسرائيلية .
عندها يصبح القاصر الذي يُقال إنه (لا يمكن السيطرة عليه) جزءاً من معادلة أخطر: هو يعتدي، والشرطة تتدخل، والمعتدي يُسحب من المكان، لكن الفلسطيني يبقى أمام أرض مدمرة وبيت متضرر ومحصول ضائع وخوف متراكم.
وفي السياسة، لا تُقاس النتائج دائماً بالنوايا المعلنة.
أحياناً يكفي أن ننظر إلى النتيجة:
من يرحل؟ ومن يبقى؟ ومن يخسر الأرض؟ ومن يحصل عليها في النهاية؟
فإذا كان العنف المتكرر يؤدي بصورة متراكمة إلى إفراغ الفلسطيني من أرضه، فإن السؤال لم يعد: (هل هؤلاء المراهقون منفلتون؟)
بل يصبح السؤال الأكثر خطورة:
هل تحولت الفوضى نفسها إلى أداة من أدوات السيطرة على الأرض؟




