
كشف الرئيس السابق لجهاز الموساد يوسي كوهين جانباً لافتاً من حجم المعرفة الإسرائيلية بمنشأة فوردو النووية المحصنة داخل جبل في إيران، مؤكداً أن الإسرائيليين “تجوّلوا” في الموقع مراراً بهدف فهمه، قبل أن يصف الضربة الأميركية التي استهدفته بأنها “تحقق لكل أحلامه”، مقدماً في الوقت نفسه تقديراً لافتاً بشأن مستوى تخصيب اليورانيوم الإيراني.
وبحسب تقرير للصحافي آفي أشكنازي في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية قال كوهين خلال “مؤتمر الجليل” إن إسرائيل عملت على مدى سنوات لفهم واحد من أكثر المواقع حساسية وتعقيداً في البرنامج النووي الإيراني، وهو موقع التخصيب تحت الأرض في فوردو.
وقال كوهين: “تجوّلنا في الموقع النووي في فوردو مرات عديدة كي نفهم الموقع”، مضيفاً أن “قصف الموقع على يد الأميركيين هو تحقق لكل أحلامي”.
وتطرق الرئيس السابق للموساد أيضاً إلى مستوى تخصيب اليورانيوم في إيران، قائلاً: “60% من اليورانيوم المخصب لا يزال بعيداً عن القنبلة”.
وتُعد فوردو من المواقع المركزية والأكثر تعقيداً في البرنامج النووي الإيراني. وقد كُشف عن المنشأة للمرة الأولى عام 2009 بواسطة الاستخبارات الأميركية، وهي مبنية داخل جبل في محافظة قم، على مسافة نحو 180 كيلومتراً جنوب طهران.
وأُنشئت المنشأة كنظام متعدد الطبقات تحت الأرض، حُفر مباشرة داخل صخور الجبل بطريقة صُممت لجعل استهدافه جواً أكثر صعوبة قدر الإمكان.
وتضم المنشأة أنفاقاً تمتد لمئات الأمتار، وُضعت داخلها أجهزة الطرد المركزي وأنظمة المراقبة والتشغيل، كما تحتوي على بوابات ثقيلة وأنظمة حماية إلكترونية ومنظومات تبريد وغرف تشغيل ومختبرات تقنية.
وصُممت بنيتها التحتية بصورة تسمح للموقع بمواصلة العمل حتى في حال تعرضه لضربة خارجية أو انقطاع الاتصالات.
وخلال السنوات الأخيرة، نقلت إيران إلى فوردو أجهزة طرد مركزي أكثر تطوراً، إذ وُضعت إلى جانب أجهزة “IR1” القديمة أجهزة من طرازَي “IR6” و”IR8″، ووفق بعض التقديرات أيضاً أجهزة “IR9″، القادرة على تخصيب اليورانيوم بوتيرة أعلى بكثير من الطرازات القديمة.
ووفق تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية صدر في مطلع عام 2024، رُصد في فوردو يورانيوم مخصب بنسبة وصلت إلى 83.7%، وهي نسبة أشارت إلى امتلاك قدرة تقنية تسمح بالاقتراب من مستوى تخصيب 90% المطلوب لصنع قنبلة نووية.
وتعمل أجهزة الطرد المركزي في المنشأة على فصل نظير اليورانيوم القابل للانشطار “يورانيوم 235″، وكلما ازدادت الأنظمة تطوراً، أمكن الوصول إلى مستويات أعلى من التخصيب خلال فترة زمنية أقصر.
وفي موازاة ذلك، قيدت إيران منذ عام 2021 وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المنشأة، ولم يكن ممكناً خلال بعض الفترات إجراء مراقبة متواصلة للنشاط داخل الموقع.
لكن أقماراً اصطناعية عسكرية تابعة للولايات المتحدة وإسرائيل واصلت رصد النشاط في محيط المنشأة، بما في ذلك عمليات بناء وتغييرات في توزيع أجهزة الطرد المركزي وإنشاء مبانٍ جديدة للقيادة والتشغيل.
وفي المقابل، نفت إيران على مدى السنوات سعيها إلى تطوير سلاح نووي، وقالت إن أنشطتها مخصصة للأبحاث الطبية وإنتاج النظائر المستخدمة في علاج السرطان والأبحاث النووية المدنية.
وكانت صعوبة استهداف فوردو قد جعلت الموقع على مدى سنوات محوراً رئيسياً في النقاش المتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، نظراً إلى عمقه وموقعه داخل الجبل.
ولهذا السبب، طُرحت القاذفات الأميركية من طراز “B-2 Spirit”، القادرة على حمل القنابل الخارقة للتحصينات من نوع “GBU-57″، باعتبارها إحدى الأدوات الرئيسية القادرة على التعامل مع المنشأة.
وخلال عملية “مطرقة منتصف الليل”، أُلقيت 14 قنبلة من طائرات “B-2 Spirit” على موقعين في إيران.
وكان غاري سترادلينغ، الذي درس في السابق فيزياء اختراق الأسلحة للمنشآت المحصنة تحت الأرض، قد شرح مدى تعقيد ضرب مواقع من هذا النوع.
وقال: “لقد اختاروا تحديداً مناطق جبلية مكونة من صخور صلبة، واستخدموا تكنولوجيا أنفاق حديثة لإنشاء نوع الفراغات داخل الجبل التي يمكن وضع منشأة نووية إيرانية من هذا النوع فيها”.
وأضاف: “أعتقد أن هناك الكثير من العمل الذي قامت به وزارة الدفاع في منشآت من هذا النوع وهو مصنف بدرجة عالية جداً، ولا أستطيع التحدث عنه. إنه عمل متطور للغاية. هؤلاء خبراء حقيقيون يقومون بالعمل. إنه عمل دقيق وتقني وكمي، لكي يتمكنوا من توفير قدرة قتالية من هذا النوع للقوات”.
وحذر سترادلينغ أيضاً من إطلاق أحكام قاطعة بشأن وضع البرنامج النووي الإيراني بعد الضربات.
وقال: “الافتراض بأنه لا توجد لديهم كمية كافية من المواد النووية، والافتراض بأنه لا يوجد لديهم جهاز جرى اختباره، أعتقد أنه تفاؤل مفرط. لا أريد له، أي ترامب، أن يشعر بالحرج إذا اكتشف لاحقاً أن عدم اليقين في ساحة المعركة لا يزال قائماً، حتى بالنسبة إلى الهجوم الأخير على المنشآت النووية الإيرانية، وأن الأمور لا تسير كما توقعنا. هذه هي طبيعة الحرب”.
وكانت مجلة “إيكونوميست” قد أفادت قبل ذلك بأن خبراء قدّروا أن منشأة فوردو محصنة إلى درجة لا يمكن معها تدميرها بواسطة القنابل الأميركية الخارقة للتحصينات، وأن القضاء عليها، وفق تقييمهم، قد يكون ممكناً فقط باستخدام سلاح نووي أو بواسطة قوات برية.
وبعد الضربة الأميركية، يقدم كوهين الآن لمحة نادرة عن أهمية فوردو بالنسبة إلى إسرائيل، وعن حجم المعرفة التي راكمتها بالموقع على مدى سنوات.
وكان قد نُشر في حزيران 2025 توثيق يظهر عناصر من الموساد وهم يركبون أنظمة هجومية داخل الأراضي الإيرانية.
وبذلك، لا تتوقف دلالة كلام كوهين عند توصيف ما تعرضت له فوردو، بل تكشف عن أن المعركة حول المنشأة لم تبدأ بالقنابل الأميركية، بل سبقتها سنوات من جمع المعلومات ومحاولة فهم واحد من أكثر المواقع الإيرانية تحصيناً وحساسية.




