سلايدات

“أسعار أوروبا وإقتصاد هايتي”… لبنان يعيش فوق قدرته

تتجاوز أزمة الاقتصاد اللبناني مسألة التضخم وارتفاع الأسعار إلى خلل أعمق أصاب بنيته منذ اندلاع الأزمة، بعدما بات اللبناني يعيش في سوق تقترب أسعارها من مستويات دول أغنى بكثير، فيما تراجعت قدرته الشرائية والإنتاجية بصورة تجعل كلفة أبسط الاحتياجات اليومية عبئًا متزايدًا على الأسر.

وفي مقابلة ضمن برنامج “3:15 إقتصاد” عبر شاشة “RED TV”، رأى مدير الأبحاث في “The Policy Initiative” سامي زغيب أن “المشكلة الأساسية في البلد ليست التضخم، بل التغيير الذي طرأ على بنية الاقتصاد منذ اندلاع الأزمة”، معتبرًا أن معالجة الوضع تتطلب أولًا فهم التحولات التي أصابت الاقتصاد اللبناني بدل الاكتفاء بمراقبة حركة الأسعار.

ولفت زغيب إلى أن لبنان بات ضمن مجموعة محدودة جدًا من الاقتصادات التي شهدت انكماشًا حادًا في الناتج المحلي بالتزامن مع تضخم مرتفع، وقال: “إذا نظرنا إلى اقتصادات العالم التي انكمش فيها الناتج المحلي بأكثر من 10% وارتفع التضخم لديها بأكثر من 10%، نجد 3 فقط هي لبنان وغزة وهايتي”.

وضرب مثالًا على الفجوة بين الأسعار والقدرة الشرائية من خلال كلفة الطعام، مشيرًا إلى أن متوسط سعر الوجبة في لبنان يبلغ نحو 12 دولارًا، أي ما يقارب السعر نفسه في دبي، لكن الفارق الحقيقي يظهر عند احتساب عدد ساعات العمل اللازمة لتغطية هذه الكلفة.

وقال زغيب إن الموظف في دبي يحتاج إلى نحو 30 دقيقة عمل لتغطية سعر وجبة مماثلة، بينما يحتاج الموظف في لبنان إلى نحو 3 ساعات، ما يعكس، بحسب رؤيته، حجم التراجع في الأجور الحقيقية ومستوى القدرة الشرائية.

واختصر المفارقة بالقول: “أسعارنا توازي أسعار الدول الأوروبية، فيما اقتصادنا أقرب إلى اقتصاد هايتي، وهذا تناقض غير منطقي”.

ورأى أن أحد العوامل التي تسمح باستمرار هذا النموذج هو تحويلات المغتربين، إذ تؤمّن لكثير من الأسر قدرة إنفاق تتجاوز حجم إنتاجها ودخلها المحلي، ما يخلق فجوة بين ما ينتجه الاقتصاد وما يستهلكه المجتمع.

وأضاف أن وجود المغتربين والطلب الذي يولّدونه عند قدومهم إلى لبنان يدفع أيضًا إلى تسعير بعض السلع والخدمات بمستويات أعلى، ما يزيد الضغط على المقيمين الذين يتقاضون مداخيل محلية أقل قدرة على مجاراة هذه الأسعار.

وفي موازاة ذلك، توقف زغيب عند مشكلة أساسية تتعلق بغياب البيانات الرسمية الدقيقة، مشيرًا إلى أنه “لا توجد حتى اليوم أرقام رسمية دقيقة تحدد طبقات المجتمع اللبناني أو عدد اللبنانيين تحت خط الفقر أو مستويات مداخيلهم”.

وشدد على أن الأرقام ليست تفصيلًا تقنيًا، بل تشكل أساس أي سياسة اقتصادية قابلة للبناء عليها، وقال: “أساس الاقتصاد هو الأرقام، لذلك يجب توافر بيانات دقيقة لفهم بنية الاقتصاد ووضع السياسات المناسبة له”.

وبحسب زغيب، فإن غياب هذه البيانات يجعل من الصعب قياس حجم التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت منذ الأزمة، كما يحد من القدرة على تحديد الفئات الأكثر تضررًا ووضع سياسات تستجيب بصورة دقيقة لحاجاتها.

وانتقل إلى أحد أكثر المؤشرات الاجتماعية حساسية، وهو القدرة على الوصول إلى العلاج، معتبرًا أن الواقع داخل المستشفيات التي تعالج مرضى السرطان “يُظهر تراجع القدرة على تأمين العلاج”، في مؤشر يتجاوز الأرقام الاقتصادية ليصل مباشرة إلى مستوى المعيشة والخدمات الأساسية.

وفي ضوء هذه التحولات، دعا زغيب إلى إعادة النظر في هيكلة الاقتصاد اللبناني بما يتلاءم مع الواقع الذي تشكل منذ الأزمة، معتبرًا أن العودة إلى النموذج السابق من دون مراجعة بنيته وآليات عمله لن تكون كافية لمعالجة الاختلالات القائمة.

وتكشف قراءة زغيب أن الأزمة اللبنانية لم تعد مجرد قصة تضخم أو انهيار نقدي، بل تحولت إلى فجوة بين الأسعار والدخل، وبين الاستهلاك والإنتاج، وبين حجم الحاجات والقدرة على تلبيتها، ما يجعل إعادة هيكلة الاقتصاد وتوفير بيانات دقيقة عنه شرطين أساسيين لأي محاولة جدية لإعادة بناء القدرة المعيشية للبنانيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى